لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ( 36 : 82 ) فهو أمر الإرادة التكوينية لمكان « أردناه » فلا يتخلف خلاف ما يروى * لا التشريعية فإنه لها أمر ليفعل وقد يتخلف عن شرعته .
و « يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ » مما يدل على أن الأرض أظهرت ماءها كلها على ظهرها ، وكما تدل « وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً » فإنه التفجير الطليق للأرض كلها عيونا جارية على وجهها .
ثم « وَيا سَماءُ أَقْلِعِي » دليل أن نصيبا من ذلك الماء كان يخص السماء وكما تدل « فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ » فقد غرقت الأرض كلها بكل ماءها وبعض من ماء السماء ، ثم « قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي » ماءً منك « وَغِيضَ الْماءُ » : نقص حيث ابتلعت الأرض ماءها الخاص بباطنها ، وأقلعت السماء ماءها الخاص بها ، فلم يبق إلا ماء الأرض الخاص بوجهها بحارا وأنهارا وسواقي وعيونا كما كانت قبل الطوفان ، « واستوت » الفلك « عَلَى الْجُودِيِّ » حيث مرساها الأخير « وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » غرقا في الطوفان ثم حرقا في النار .
وهكذا انطوى طومار هؤلاء المكذبين الكفار ، « جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ » ! .
ويا لها من جملة مختصرة جميلة حاسمة تطوي ذلك الموقف الطويل الطويل طيا خاطفا كأن لم يغن بالأمس ، فقد انطوى طومار كل هؤلاء الملإ وامرأة نوح وابنه لفترة قصيرة يسيرة ، فظلوا هامسين ناكصين ، ثم غرقوا فلا تسمع لهم ولا همسا .
ويا لها من فصاحة وبلاغة قمة ، بارزة لكل معارضة ، حيث فشلت أمام القرآن كله ، وأمام هذه الآية بخصوصها ، فقد روي أن كفار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن فعكفوا على ألباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفوا أذهانهم ، فلما أخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه الآية فقال بعضهم لبعض : هذا كلام لا يشبه كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا .
فهنا لا يذكر اللّه باسمه ولا باسم نوح والمؤمنين معه ولا قومه إلّا دعاء : « بُعْداً لِلْقَوْمِ
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 412
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤١٢