العام ، نجاة لنوح والمؤمنين معه ، إنه دون ريب صنع منقطع النظير ، فلا غرق أو انكسار لذلك الفلك حتى قضاء أمر اللّه .
أجل « وَاصْنَعِ الْفُلْكَ » ونحن نرعاك ونحفظك ، إذ ليست له سبحانه عين تلحظ أو لسان يلفظ ، وكما يقال : أنا بعين اللّه ، سر وعين اللّه ترعاك ، ومن كلامهم للظاعن المشيّع والحميم المودّع ، صحبتك عين اللّه ، أي : رعاية اللّه وحفظه .
وكيف هنا في صنع الفلك « بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا » وفي موسى « وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » ؟ قد يعني إفراد « عيني » في موسى عين الرحمة التربوية الرسالية ، وهنا في « أعيننا » عيون الرحمات التي تصنع فلك النجاة من كافة الجهات هندسة ومادة وحجما وثقلا ومقاومة للأمواج .
أجل « وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا . . » وكما « تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ » ( 54 :
14 ) .
وقد يقال في زمن صنعه أنه خمسمائة عام ، ولكن كيف واللّه يقول « ووحينا » * وأعين اللّه ووحيه ليسا ليبطئا هكذا ، لا سيما حسب وحيه « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » فلما ذا - إذا - ذلك التأجيل الأجيل ، رغم أن قضية « لن » و « لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » هي التعجيل .
« وَاصْنَعِ الْفُلْكَ . . وَلاتُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا » حيث كفروا وكذبوا ، فقد تقرر مسيرهم ومصيرهم وانتهى أمرنا فيهم كما دعوت وأجبناك ، فخطابي فيهم أيا كان محظور ، سواء أكان دعاء الهداية أو المغفرة أو النجاة من الغرق .
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) .
نوح عليه السلام أخذ « يَصْنَعُ الْفُلْكَ » فور أمر اللّه ، ولكن أين ؟
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 404
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٠٤