يَفْعَلُونَ ( 36 ) .
« أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » تحمل حجتين اثنتين ، حجة لنوح عليه السلام عليهم حيث أخبرهم بها ولم يؤمن منهم أحد حتى غرقوا أجمعين ، وكان لهم وإن لواحد منهم أن يؤمنوا في ظاهر الحال تكذيبا لما أوحي إلى نوح عليه السلام ، وحجة ثانية هي لغرقهم أجمعين حتى لا يقول قائل : علّهم كانوا يؤمنون فلما ذا غرقوا ؟ .
ذلك ، ولكن الأنسال الحاصلة بين هذا الوحي وغرقهم وهو طوال سنين ، ما هو ذنبهم أولاء وهم قصّر أو صغار ، أم وكبار منهم عقلاء علهم يؤمنون ؟ .
هنا « لن » تحلق سلبية الإيمان على أنسالهم البالغين ، وأن لم يكن هناك صغار وقصّر حين الغرق ، أم وقطع اللّه أنسالهم فلم ينسلوا في هذا البين * ، أم أمات صغارهم والقصّر منهم قبل الطوفان ، أم لو شملهم الطوفان فليس هو عذابا للقاصرين صغارا ومجانين .
أجل ، « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » فلا مبرر لبقاءهم ، ثم « فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ » إذ لامكان ولا دور للابتآس بفعلتهم الملعونة حين يجزون بما كانوا يفعلون ، وأنه « لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » فالداعي الراجي إجابته لوقت ما يبتئس بما يفعله المدعوون من التكذيب والعناد ، وأما إذا عرف مسيرهم ومصيرهم فلا دور لابتئاسه بما كانوا يفعلون .
أجل « فَلا تَبْتَئِسْ » : لا تحسّ بالبؤس والقلق ، ولا تهتمّ بهذا الذي كان منهم ، لا على نفسك فما هم بضارين من شيء حتى يغرقوا ، ولا عليهم فإنهم لا خير فيهم ولا رجاء لهداهم .
ثم وهذا الوحي كان بعد ما دعى نوح على قومه أم قبله بسناد :
« وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاتَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلايَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » ( 71 : 27 ) * .
فلقد كان دعائه عليهم بعد وحي اللّه وقبل الطوفان ، دعاء على ضوء الوحي دونما
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 402
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٠٢