فقد كانت الأرض بحاجة إلى الإحياء بعد موتها ، وإلى التطهير بعد قذارتها من الشر العارم الذي انتهى اليه القوم في زمنه ، ولم يبق علاج في تطهيرها إلا تدميرهم ، إذ إن في بقاءهم إضلال القلة القليلة ممن آمن معه ، طوال ألف سنة إلا خمسين عاما .
وفيما إذا سئلنا : كيف لا يلدون إلا فاجرا كفارا ، والإنسان أيا كان لا يولد كافرا مهما كان أبواه كافرين ، وإنما الكفر والإيمان منذ التكليف لا الولادة ؟
فالجواب : ان خبث النطفة إضافة إلى خبث الجو والبيئة ، لا يلدان إلا فاجرا كفارا ، فان الجو الفاسد الذي أوجدوه ، والبيئة الضالة التي خلقوها ، انهما يوحيان بالكفر من الناشئة الصغار ، فلا توجد فرصة لترى الناشئة نورا ، وقليل هؤلاء الذين يولدون من الظلمات ويعيشونها ، ثم يخالفونها إلى النور ، وقد ولد هذا القليل في هذه المدة الطائلة ولم يبق منهم أحد وفي أنسالهم أيضا ، فلا يعنى من ولادة الفاجر الكفار أنها منذ الولادة ، إنما من حين التكليف ، وإن كانت الولادة الخبيثة والجو الخبيث لهما دورهما الفعال في الكفر والفجور ، فالولادة عن هكذا كفار ، ثم ولادة ثانية تولدهم البيئة الكافرة لحد التكليف ، ثم عفويا الولادة الثالثة منذ التكليف ، الناتجة عن الولادتين ، هذه وتلك ليست إلا ولادة الفاجر الكفار :
لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً .
حينذاك كانت مناداة نوح ربه حقا وفي محله ومرضيا عند ربه : وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الُمجِيبُونَ ( 37 : 75 ) دون أن تكون مرضية للشيطان كما في مختلقات الروايات .
ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات مع نفسه ووالديه :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلاتَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً .
دعاء على الظالمين مرتين يوسط بينهم دعاءه لنفسه ولوالديه ، ولمن دخل بيته مؤمنا ، لما حان حين الغرق ، فهم المؤمنون الجدد حينه وعند البأس ، ثم للمؤمنين والمؤمنات طول
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 350
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٥٠