وحدّ الإيثار أن يتجاوز نصف ما عنده ، فالنصف سواءٌ وليس إيثاراً ، فضلًا عما دون النصف ، وكما في الصادقي عليه السلام « 1 » وأرقى الإيثار ما فعله مَن « يطعمون الطعام على حُبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً » كما شرحناه في سورة الإنسان .
ولا يعني الإيثار أن يترك الإنسان نفسه وعياله جياعاً عُراةٍ ، فإن ذلك تهلكة وليس إيثاراً ، وكما في الصادقي عليه السلام نقلًا عن الرسول صلى الله عليه وآله : ( خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الإينسان على والديه ، ثم الثانية على نفسه وعياله ، ثم الثالثة على قرابته الفقراء ، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء ، ثم الخامسة في سبيل اللَّه وهو أحسنها أجراً ) ، وقال صلى الله عليه وآله للأنصارى ، حين أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار : ( لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين بترك صبية صغار يتكففون الناس ) . « 2 »
أجل ، وكما قال اللَّه : « والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوماً » « 3 » .
هؤلاء المهاجرون والأنصار الذين مدحهم اللَّه على سواء ، وأشركهم في قسمة الفيء والأنفال ، فهل إن هذا وذاك يختصهم ؟ كلا ! بل :
« وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ » « 4 » .
هذه الآية تلقي ضوءاً عاماً لجميع هؤلاء الذين حياتهم حياة المهاجرة والنصرة في سبيل اللَّه والمحبة والإيثار في اللَّه ، مَن كانوا وأياً كانوا وأينما كانوا ، فإنما الأصل الأول والأخير
هامش
( 1 ) . الكافي عن أبان بن تغلب عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : سألته فقلت : أخبرني عن حق المؤمن على المؤمن ؟ فقال : يا ابان ! دعه لا ترده ، قلت : بلى جعلت فداك ، فلم أزل أرد عليه ، فقال : يا ابان ! تقاسمه شطر مالك ، ثم نظر إلي فرأى ما دخلني ، فقال : يا ابان ! أما تعلم أن اللَّه عز وجل قد ذكر المؤثرين على أنفسهم ؟ قلت : بل جعلت فداك ، فقال : أما إذا أنت قاسمته فلم تؤثره بعد ، إنما أنت وهو سواء ، إنما تؤثره إذا أعطيته من النصف .
وفيه أيضاً عنه عليه السلام عن الرجل ليس عنده إلا قوت يومه أيعطف من عنده قوت يومه على من ليس عنده شيء ، ويعطف من عنده قوت شهر على من دونه ؟ والسنة على نحو ذلك ؟ أم ذلك كله الكفاف الذي لا يلام عليه ؟ فقال : هو أمران أفضلكم فيه أحرصكم على الرغبة والاثرة على نفسه ، فإن اللَّه عز وجل يقول : « يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة » ، والأمر الآخر لا يلام على الكفاف ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول
( 2 ) . علي بن إبراهيم القمي عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة في حديث طويل عن أبي عبداللَّه الصادق عليه السلام يشرح فيه حدود الإيثار والإقتار ( نور الثقلين 5 : 288 )
( 3 ) . 25 : 67
( 4 ) . 59 : 10