« وإنْ كلٌّ لمّا جميع لدينا محضرون » « 1 » .
« والآخرة عند ربك للمتقين » فإنها لصالحهم حيث هيئوا لها بما قدموا من صالحات ، فهي ليست لسواهم وإنما عليهم بما قدمت أيدهم من طالحات ، ولكنما الدنيا تُعاكس الآخرة ، حيث المتقون لهم منها حظوة قليلة يستقدمونها لأخراهم .
و « عند ربك » قد تكون وصفاً للآخرة ، فإنها عند ربك والدنيا بعيدة عنه ، وإن كانتا عند ربك قدرة وعلماً وحكمةً ، ولكنما الآخرة عند ربك قرباً ومُلكاً « لمن الملك اليوم للَّهالواحد القهار » ! .
وقد تكون « عند ربك » في ميزان الرب ، وخصوص الحضور للرب ، فالآخرة للمتقين عند ربك ، أو أنها تعنيهما : فالآخرة التي عند ربك هي عند ربك للمتقين عند ربك ! .
« وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » « 2 » .
متاع الحياة الدنيا وزهرتها يُعشيان أصحابها عن ذكر الرحمن تعامياً عنه بتقصير دون قصور « 3 » فالبصر يعشوا ومن ثم البصيرة تعشوا ويصبح الإنسان عشواً عن ذكر الرحمن متعامياً متغاضياً عما يذكره الرحمن ، محجوباً قلبه ، ناسياً متناسياً ، وهنالك مهبط الشيطان وهنا « نقيض » : نرسل « له شيطاناً فهو له قرين » .
وذكر الرحمن هو كلُّ ما يذكِّرك الرحمن ، وهي كافة الرحمات التي تعيشها في نفسك وحولك ، من عامة تعم الكون ، ومن خاصة للخصوص من خلق اللَّه ، الدالة على وجوده وتوحيده وعلمه وعدله وحكمته وسائر صفاته وأسماءه الحسنى .
فليَعِش الإنسان ذكرَ الرحمن دون أن يعشُو عنه أياً كان ، عَشْو القلب أو القالب ، عشو
هامش
( 1 ) . 36 : 32
( 2 ) . 43 : 36
( 3 ) . عشى يعشى عشاً من باب علم إذا كان يبصره آفة لا يبصر مطلقاً أو بالليل وعشا يعشو عشواً من بابنصر إذا تعامى وتعشى بلا آفة وهنا : يعشُ من الثاني مجزوماً ولو كان من الأول لكان يعشِ بالكسر