ومن حيث الشمول أوسع ، فحرمة التبذير أكثر ، وأخوة الشياطين أوفر .
ولأن « ما بكم من نعمة فمن اللَّه » « وأما بنعمة ربك فحدث » « 1 » والتحديث بنعمة اللَّه اظهارها وصرفها في مرضات اللَّه ، فتبديلها اذاً يخلف شديد العقاب : « ومن يبدل نعمة اللَّه من بعد ما جاءته فان اللَّه شديد العقاب » « 2 » تبديلًا إلى غير نعمة أو إلى كفر ونقمة : « ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة اللَّه كفراً وأحلوا قومهم دار البوار . جهنم يصلونها وبئس القرار » « 3 » .
ولأن « الشيطان كان لربه كفوراً » فهؤلاء المبذرون « كانوا إخوان الشياطين » في كفرانهم بنعم اللَّه هدراً لها ، أو صرفاً في غير حلها » .
إذاً فالتبذير في دَولة أو دُولة ، في نفس أو نفيس ، في علم أم ماذا من نعم اللَّه تعالى ، كل ذلك كفران بنعمة الرب فأخوة للشياطين .
فتولية الأمر لمن لا يستحق تبذير ، وتوليته فوق ما يستحق إسرافٍ ، كما أنها دون استحقاقه ظلم ، وكذلك كل امرٍ له مثلث القصور والتقصير والتبذير .
ليس التبذير - بطبيعة الحال - إلا فيما يؤتيه المبذر ، وكما الآية تفتتح بالإيتاء ، ولا يخص كما سلف إيتاء المال كما الإيتاء في الآية لا يخصه ، فقد يشمل التبذير نفس الانسان ونفائسه من علم أو منصب أم ماذا ، فتعليمك علوم الدين زائداً على استحقاق المتعلم إسراف وإذا هو يصرفه في الضلال أو لا ينتفع به ولا ينفع فتبذير .
فمن يحضر خط النار في جهاد الكفار ليس له تبذير أو سلاحه أو اية طاقة من الطاقات الحربية ، أن يعرضها للهدر دونما مقابل ، أو مقابل أقل منها وأدنى ، فهذا إسراف وذلك تبذير ، أن تستأصل منك طاقة هدراً في الحرب دون استئصال من عدوك .
فجهادك دون استعداد وِجاه العدو ، أم في تهاون فيك وذويك أمام العدو ، أم تعرُّضك لجرح أم قتل دون الزام أم ماذا من حرب غير مكافحة ، إنه لا يخلو عن إسراف أو تبذير .
ولماذا التبذر فقط بين المعاصي أخوة للشياطين ، لأنه يجمع كل إتلاف وتهدير يبوء بالضرر إلى الجماعة المسلمة في كل صغير وكبير .
وأخوة الشياطين - هذه - في التبذير إنما هي في أنه كفران بنعم اللَّه ، وتبديلها نقماً : « ومن يبدل نعمة اللَّه من بعدما جاءته فان اللَّه شديد العقاب » « 4 » « ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة اللَّه
هامش
( 1 ) . 93 : 11
( 2 ) . 2 : 211
( 3 ) . 14 : 28
( 4 ) . 2 : 211