ثم « بالباطل » لا تتحمل الاستثناء ، فلا يصح تقييده بباطل دون آخر ، وليست الحقوق المالية الواجب إنفاقها في سبيل اللَّه من الباطل حتى تقيد بها الآية ، بل هي من أبرز مصاديق الحق ، مهما كان ببيان اللَّه حيث يخفى حقها ، أو كان من باب الحكومة ، أم المقصود هو الباطل في شرعة اللَّه .
كما لا يختص الباطل بما نعرفه باطلًا ، فبين الباطل عندنا والباطل عند اللَّه عموم من وجه يتصادقان في الباطل عند اللَّه كما عندنا مثل السرقة اما شابهها ، ويتفارقان في الباطل عند اللَّه دوننا كالربا « ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربا وأحل اللَّه البيع وحرم الربا » « 1 » والباطل عندنا دون اللَّه كالأخماس والزكوات وسائر الإنفاقات التي قد تعتبر عند المجاهيل باطلًا ، فالأصل الموضوع للحكم هو الباطل عند اللَّه حيث يبينه في الكتاب أو السنة ، فالمشكوك بطلانه عند اللَّه ، إذا كان معروف البطلان في كل الأعراف السليمة الإنسانية فهو باطل ، وإلّا فحق ، كما المعلوم بطلانه عندنا المعلوم حقه عند اللَّه فإنه حق لا مرية فيه .
فكل ما لا ثمن لهام يحرم الانتفاع به من أموال وأعمال يحرم به أكل المال لأنه باطل وان كان بطيبة نفس من مالكه ، وقد يجتمع الباطلان معية وسبباً ، ولكلٍّ أبعاد ، فمن أنحس الباطل ما يحصل بسبب باطل بأشده كالمسروق بالسرقة المسلحة ، ثم يصرف في باطل مغلظ كأن يشتري به خمراً أمّا شابه ويشرب .
فقد انتظمت الآية حظر الأكل في كل تعامل باطل أم سواه من باطل في مختلف التصرفاف المالية والحقوقية ، في مثلث الأموال على أية حال .
« وتدلوا بها إلى الحكام » هي من الأسباب الباطلة : ولا تدلوا بها - أم - وان تدلوا بها - فإدلاء الأموال إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس ، ذلك من اكل المال بالباطل ، ولأن « بها » راجعة إلى « أموالكم » فقد تشمل « أموالكم » أموالكم أنفسكم ، كما « لتأكلوا » تضيف إليها أموال الناس .
والإدلاء أصله من إلقاء الدلاء إلى الآبار بغية نزح الماء ، فالذي يؤتي من أمواله الحكام ذريعة لحكمهم بخلاف الحق « لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون » هو من هؤلاء الذين يأكلون أموالهم وأموال الناس بالباطل .
و « فريقاً » هنا اعتباراً بان المؤتى رشاءً يحتسب مما يأكله الراشي ، ففريقاً يأكله باطلًا من
هامش
( 1 ) . 3 : 275