كيف لا « إنك لتهدي إلى صراط مستقيم » . « 1 »
في الحق إن الصراط المستقيم له درجات وجنبات ، فأولى الدجات هداية الدلالة له وقد هدي صاحب هذه الرسالة منذ البدء ، وقبل الرسالة كان مهدياً إليه خاصاً لنفسه حتى تهيأ للعالمين ، ثم الهداية الثانية هي الاستمرار عليه مستزيداً فيه بعصمة إلهية ، بعد محاولات بشرية ورسولية ، وهو دوماً دون انقطاع بحاجة ماسة إلى هذه العصمة ، :
« ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلًا » « 2 » وهذه الدرجة هي التي يطلبها هو والمؤمنون - على درجته ودرجاتهم - في صلواتهم ليل نهار : « اهدنا الصراط المستقيم » ثبتنا وأدم لنا توفيقك ، فلو شاء اللَّه لذهب بالذي أوحى إليه فإنه ليس لزاماً للرب إلا بما كتب على نفسه الرحمة : « ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلًا . إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيراً » . « 3 »
هذا - ولكنما الدرجة هذه لا تختص بما بعد الفتح ، فإنه مهدي بها على طول الخط ، فإنما الاختلاف قبل الفتح في الجنبات لا الدرجات : صراطاً مستقيماً للداعية في الدعوة ، حيث أزيلت الشبكات والأشواك والعقبات عن ريقها بفتح مكة ، وصراطاً مستقيماً لتقبل الدعوة الإسلامية ، حيث الفتح سبيلًا واسعاً لمن كانوا في شك من صاحب الدعوة ، وصراطاً مستقيماً في تكميل الدين وإتمام النعمة وكما حصل بفتح مكة ، وصراطاً مستقيماً في العبادة وتطبيق الشريعة إذ زالت عنهم التقية ، وانقلبت على المشركين ، إذ أسلم كثير منهم ، مهما نافق آخرون عائشين تحت الرقابة الإسلامية ورايتها ورعايتها .
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً كدعامة رابعة لهذه الدولة السامية ، نصراً في كافة الميادين ، وإلا فإنه والنبيون معه منصورون : « ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين
هامش
( 1 ) ) . سورة الشورى 42 : 52
( 2 ) ) . سورة الأسراء 17 : 74
( 3 ) ) . سورة الأسرى 17 : 87