وهرب ، حتى أتى سعيد بن العاص ، فأقام بالمدينة يشرب ، ويدخل إلى القيان ، وقال :
إذا شئت غنّاني من العاج قاصف
على معصم ريّان لم يتخدّد [ 1 ]
لبيضاء من أهل المدينة لم تعش
ببؤس ولم تتبع حمولة مجحد
وقامت تخشّيني زيادا وأجفلت
حواليّ في برد يمان ومجسد
فقلت : دعيني من زياد فإنني
أرى الموت وقّافا على كلّ مرصد
مروان ينفيه ثم يجيزه
: قبلغ شعره مروان ، فدعاه ، وتوعده ، وأجّله ثلاثا ، وقال : اخرج عني ، فأنشأ يقول الفرزدق :
دعانا ثم أجلنا ثلاثا
كما وعدت لمهلكها ثمود [ 2 ]
قال مروان [ 3 ] : قولوا له عني : إني أجبته ، فقلت :
قل للفرزدق والسّفاهة كاسمها
إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس [ 4 ]
ودع المدينة إنها محظورة
والحق بمكة أو ببيت المقدس
قال : وعزم على الشخوص إلى مكة ، فكتب له مروان إلى بعض عماله ، ما بين مكة والمدينة بمائتي دينار ، فارتاب بكتاب مروان ، فجاء به إليه وقال :
مروان إنّ مطيتي معقولة
ترجو الحباء وربّها لم ييأس
آتيتني بصحيفة مختومة
يخشى عليّ بها حباء النّقرس [ 5 ]
/ ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن
نكراء مثل صحيفة المتلمّس [ 6 ]
قال : ورمى بها إلى مروان ، فضحك ، وقال : ويحك ! إنك أميّ ، لا تقرأ ، فاذهب بها إلى من يقرؤها ، ثم ردّها ، حتى أختمها ، فذهب بها ، فلما قرئت إذا فيها جائزة ، قال : فردّها إلى مروان ، فختمها ، وأمر له الحسين بن عليّ عليهما السلام بمائتي دينار ، قال : ولما بلغ جريرا أنه أخرج عن المدينة قال :
/
إذا حلّ المدينة فارجموه
ولا تدنوه من جدث الرسول [ 7 ]
فما يحمى عليه شراب حدّ
ولا ورهاء غائبة الحليل [ 8 ]
فأجابه الفرزدق ، فقال :
هامش
[ 1 ] تقدمت هذه الأبيات في الترجمة نفسها . فارجع إليها .
[ 2 ] في هج« دعاني ثم أجلني ».
[ 3 ] ليس فيما قاله الفرزدق ما يستدعي عدول مروان عن عقوبته ، فلعل هنا خرما ، أو لعل بعد البيت السابق أبيات استعطاف لم تذكر .
[ 4 ] الشعر لمروان : ولم نستطع التوفيق بين قوله : « اجلس » في البيت الأول وقوله :« ودع المدينة »في البيت الثاني ، ربما كانت « اجلس » تصحيف « احلس » - بالحاء - بمعنى ضع الحلس على دابتك وارحل ، والحلس : القتب أو السرج ونحوهما .
[ 5 ] النقرس : الهلاك ، أو الداهية ، أو وجع في مفاصل الكعبين .
[ 6 ] صحيفة المتلمس : صحيفة حملها تتضمن هلاكه ، وقصتها مشهورة ، والمتلمس الشاعر المعروف .
[ 7 ] في هج« إذا حل الفرزدق ».
[ 8 ] في هد « يخفى » بدل « يحمى » والورهاء : الحمقاء ، والمراد أنه مدمن زير نساء .