إذا لبكت ليلى عليّ وأعولت
وما نالت الثوب الذي أنا لابس [ 1 ]
فرجع إلى صحراء منعج ، وهي إلى جنب أضاخ ، والحلَّة قريب منها ، وفيها منازل عكل ، فكان يتردد ولا يقرب الحلة ، وقد كان أكثر الجعل فيه ، فمرّ بابني فائد / ابن حبيب من بني أسد ، ثم من بني فقعس فقال : أجيرا متنكرا ، فحلبا له ، فشرب ومضى لا يعرفانه ، وذهبا ، ثم لبث السمهري ساعة ، وكرّ راجعا فتحدث إلى أخت ابني فائد ، فوجداه منبطحا على بطنه يحدثها ، فنظر أحدهما إلى ساقه مكدّحة [ 2 ] ، إذا كدوح طريّة ، فأخبر أخاه بذلك ، فنظر ، فرأى ما أخبره أخوه ، فارتابا به ، فقال أحدهما : هذا واللَّه السمهريّ الذي جعل فيه ما جعل ، فاتفقا على مضابرته [ 3 ] ، فوثبا عليه ، فقعد أحدهما على ظهره ، وأخذ الآخر برجليه فوثب السمهري ، فألقى الذي على ظهره ، وقال : أتلعبان ؟ وقد ضبط رأس الذي كان على ظهره تحت إبطه ، وعالجه الآخر ، فجعل [ 4 ] رأسه تحت إبطه أيضا ، وجعلا يعالجانه ، فناديا أختهما أن تعينهما ، فقالت : ألي الشّرك في جعلكما ؟ قالا : نعم ، فجاءت بجرير [ 5 ] فجعلته في عنقه بأنشوطه ثم جذبته ، وهو مشغول بالرّجلين يمنعهما ، فلما استحكمت العقدة ، وراحت من علابيّه [ 6 ] خلى عنهما ، وشد أحدهما ، فجاء بصرار [ 7 ] ، فألقاه في رجله ، وهو يداور الآخر ، والأخرى تخنقه ؛ فخرّ لوجهه ، فربطاه ، ثم انطلقا به إلى عثمان بن حيان المرّيّ ، وهو في إمارته على المدينة فأخذا ما جعل لأخذه ، فكتب فيه إلى الخليفة ، فكتب أن أدفعه إلى ابن أخي عون : عدي ، فدفع إليه ، فقال السمهريّ : أتقتلني وأنت لا تدري أقاتل عمك أنا أم لا ؟ ادن أخبرك ، فأراد الدّنوّ منه ، فنودي : إياك والكلب ، وإنما أراد أن يقطع أنفه ، فقتله بعمه . ولما حبسه ابن حيّان في السجن تذكر زجر الَّلهبيّ وصدقه ، فقال :
ألا أيّها البيت الذي أنا هاجره
فلا البيت منسىّ ولا أنا زائره
/ ألا طرقت ليلى وساقي رهينة
بأشهب مشدود عليّ مسامره [ 8 ]
فإن أنج يا ليلى فربّ فتى نجا
وإن تكن الأخرى فشئ أحاذره
وما أصدق الطير التي برحت لنا
وما أعيف الَّلهبيّ لا عزّ ناصره [ 9 ]
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة
ينشنش أعلى ريشه ويطايره [ 10 ]
فقال غراب باغتراب من النوى
وبان ببين من حبيب تحاذره [ 11 ]
هامش
[ 1 ] هذا البيت جواب « لو » في البيت السابق .
[ 2 ] مكدحة : ذات خدوش وسحجات .
[ 3 ] مضابرته : من ضبر الشيء ضبرا بمعنى جمعه وشده ، أي اتفقا على شد وثاقه .
[ 4 ] فاعل جعل ضمير السمهري ، والهاء من رأسه تعود على ابن فائد الثاني .
[ 5 ] بجرير : بحبل .
[ 6 ] العلابي : أعصاب العنق .
[ 7 ] الصرار : ما يشد به خلف الناقة .
[ 8 ] بأشهب . . . إلخ : يعني القيد ، ومسامره نائب فاعل مشدود ، والمراد بليلى هنا طيفها .
[ 9 ] برحت : مرت شمالا ، ما أعيف اللهبي : ما أمهره في زجر الطير ، لا عز ناصره : جملة دعائية .
[ 10 ] ينشنش أعلى ريشه : ينتفه بمنقاره نتفا خفيفا .
[ 11 ] يريد أن الغراب الذي رآه نذير الغربة ، وأن البان نذير البين .