/
عدونا عدوة لا شكّ فيها
وخلناهم ذؤيبة أو حبيبا [ 1 ]
فنغري الثائرين بهم وقلنا
شفاء النفس أن بعثوا الحروبا [ 2 ]
منعنا من عديّ بني حنيف
صحاب مضرّس وابنى شعوبا [ 3 ]
فأثنوا يا بني شجع علينا
وحقّ ابني شعوب أن يثيبا
وسائل سبرة الشّجعيّ عنا
غداة نخالهم نجوا جنيبا [ 4 ]
بأنّ السّابق القرديّ ألقى
عليه الثوب إذ ولَّى دبيبا [ 5 ]
ولولا ذاك أرهقه صهيب
حسام الحدّ مطرورا خشيبا [ 6 ]
يزهد زهد الهنود
: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال : حدثنا الرياشي : قال : حدثنا الأصمعيّ قال : أقفر أبو خراش الهذليّ من الزّاد أياما ، ثم مرّ بامرأة من هذيل جزلة شريفة ، فأمرت له بشاة فذبحت وشويت ، فلما وجد بطنه ريح الطعام قرقر [ 7 ] ، فضرب بيده على بطنه وقال : إنك لتقرقر لرائحة الطعام ، واللَّه لأطعمت منه شيئا ثم قال : يا ربّة البيت ، هل عندك شيء من صبر أو مرّ ؟ قالت : تصنع به ما ذا ؟ قال : أريده ، فأتته منه بشيء فاقتمحه ، ثم أهوى إلى بعيره فركبه ، فناشدته المرأة فأبى ، فقالت له : يا هذا ، هل رأيت بأسا أو أنكرت شيئا ؟ قال : لا واللَّه ، ثم مضى وأنشأ يقول :
/
وإني لأثوي الجوع حتى يملَّني
فأحيا ولم تدنس ثيابي ولا جرمي [ 8 ]
وأصطبح الماء القراح فأكتفي
إذا الزاد أضحى للمزلَّج ذا طعم [ 9 ]
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه
وأوثر غيري من عيالك بالطَّعم [ 10 ]
مخافة أن أحيا برغم وذلَّة
فللموت خير من حياة على رغم
يفتدي أخاه عروة فيلطمه
: وأخبرني عمّي عن هارون بن محمد الزيات ، عن أحمد بن الحارث ، عن المدائني بنحو مما رواه الأصمعيّ .
هامش
[ 1 ] خلناهم : خلنا من أغرنا عليهم ، ذؤيبة وحبيب : قبيلتان .
[ 2 ] نغري الثائرين بهم : نسلطهم عليهم ونمكنهم منهم .
[ 3 ] عدي بني حنيف : جماعة العادين منهم ، ومضرس : اسم رجل من بني ليث المعدو عليهم ، وشعوب : اسم رجل ، ولكنه منع الصرف ، لأنه في الأصل علم على المنية .
[ 4 ] ضمير نخالهم يعود على المأسورين ، النجو : ما أهمل من قطع الخشب ، أو ما خرج من البطن ، والخبيث : المبعد المنحى : يقول .
سائل الشجعي عنا غداة أسرنا قومه ، وظنناهم ممن لا وزن لهم .
[ 5 ] لعل المراد بإلقاء الثوب عليه التعرف عليه ، وأنه من ليث بن بكر ، لا من ذؤيبة أو حبيب .
[ 6 ] حسام الحد : سيفا قاطع الحد ، مطرورا : مسنونا ، خشيبا : مسلولا ، أي لولا التعرف عليه لفتك به صهيب .
[ 7 ] قرقر بطنه : أحدث من الجوع صوتا يشبه القرقرة .
[ 8 ] أثوي الجوع - من أثوى - : أسكنه بطني ، والجرم : الجسد .
[ 9 ] الماء القراح : الخالص ، واصطبحه : شربه صباحا ، المزلج : الرجل الذي لا قوة له على احتمال المكروه . يقول : أكتفي بالماء القراح إذا حمل الجشع الرجل الدنيء على الزاد اللذيذ الطعم .
[ 10 ] الشجاع : الثعبان : شبه أمعاءه بالثعابين لما ترمى إليه من المهالك ، والطعم : الطعام ، والخطاب المرأة التي استضافته .