« أما بعد فإني أوصيكم بتقوى اللَّه الذي ابتدأ خلقكم ، وإليه يكون معادكم ، وبه نجاح طلبتكم ، وإليه منتهى رغبتكم ، ونحوَه قصدُ سبيلكم ، وإليه مرامى مفزَعكم -
فإن تقوى اللَّه دواء داءِ قلوبكم ، وبصر عمى أفئدتكم ، وشفاء مرض أجسادكم ، وصلاح فساد صدوركم ، وطَهور دنس أنفسكم ، وجلاء عَشَا أبصاركم ، وامنُ مَفزع جأشكم ، وضياء سَواد ظلمتكم - . . فمن أخذ بالتقوى عَزَبت عنه الشدائِد بعد دنوِّها ، واحلولت له الأمور بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، وأسلهت له الصعاب بعد إنضبابها ، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ، وتحدَّبت عليه الرحمة بعد نفورها ، وتفجرت عليه النَعَم بعد نضوبها ، ووبلت عليه البركة بعد إرذايادها » « 1 » -
أجل فالتقوى هي الزاد ، عُدة للطريق الملتوية الصعبة ، حيث تحيي القلوب وتوقظها وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والوقاية ، كاشفة منحنيات الطريق ودروبه مدَّ البصر والبصيرة ، دون غبْش للشبهة الحاجبة للرؤية .
وإنها فرقان في كل خليط ، كاشفة منعرجات الطريق ، فطالما الهوى ينشر الغبش وتُعمي المسالك وتُخفي الدروب ، فالتقوى هي متراس ونبراس تنير الدرب على السالكين ، مزيلة كل غبش .
« فاتقوا اللَّه في من سمع فخشع ، واقترف فاعترف ، ورجِل فعمِل ، وحاذر فبادر ، وأيقن فأحسن ، وعبر فاعتبر ، وحذِّر فحذر ، وزُجِر فازدجر ، وأجاب فأناب ، وراجع فتاب ، واقتدى فاحتدى ، وأُرِي فرأى ، فأسرع طالباً ، ونجا هارباً ، فأفاد ذخيرةً ، وأطاب سريرةً ، وعمَّر مَعاداً ، واستظهر زاداً ليوم رحيله ، ووجه سبيله ، وحال حاجته ، وموطن فاقته ، وقدَّم أمامَه لدار مُقامه -
فاتقوا اللَّه عبادَ اللَّه جَهةَ ما خلقكم له ، واحذروا منه كُنه ما حذركم من نُفسه ، واستحِقوا منه ما أعد لكم بالتنَّجز لصدق ميعاده ، والحذَر من هول معاده . . . -
فهل ينتظر أهل بَضاضة الشباب إلا حواني الهَرَم ، وأهل غضارة الصحة إلا نوازل
هامش
( 1 ) . الخطبة 196