ومنهم من أسلم له نفاقاً دون وفاق ، إسلاماً في صورته ، وكفراً بسيرته وهم المنافقون .
ومنهم من آمن به ، سامعين لآياته وقارئين ، ولكنهم لا يتدبرون معانيه ، ولا يستشعرون مبانيه ومغازيه .
ومنهم من يعتمده الأصل الأوّل والأخير من التشريع الإسلامي ، وعلى ضوئه السنة المحمدية ، ولكنهم هجروا دراسته ، وأخلدوا إلى ما يسمونه علوماً إسلامية ، تخيلًا أنها تُقدِّمهم لتفهمه ، و « بالمآل نرى الحوزات الإسلامية تؤصِّل كل دراسة إلّا القرآن ، لحد أصبح طالب علوم القرآن ودارسه ومفسره من البطالين في قياسهم ، البعيدين عن العلوم الحوزوية ، فأصبح القرآن مهجوراً عن حوزاته ، لا يدرس إلّا هامشياً دونما تدبر لائق به « أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها » « 1 » ؟ أجل وعلى قلوب أقفالها في إغفالها القرآن وإقفال باب مراسته في دراسته .
فنحن - إذاً - ممن لم يتخذ مع الرسول سبيلًا ، حيث هجرنا أعظم السبل معه إلى اللَّه وهو كتاب اللَّه ومن خلفياته ترك الرسول بترك سننه حيث لا تعرف إلّا عرضاً موافقاً لكتاب اللَّه ، فقد تركنا - إذاً - كلا الثقلين ، فنحن من الظالمين الذين يشكونا الرسول عند ربه يوم يقوم الأشهاد .
وهكذا راح القرآن يهز القلوب المقلوبة بهذه المشاهد المزلزلة المزمجرة ، التي تجسِّم فيما يجشِّم لهم مصيرهم المخيف وهم بعدُ أحياء يرزقون ، وليعلموا أن وعد اللَّه حق .
« وكذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدواً من المجرمين وكفى بربِّك هادياً ونصيراً » « 2 » .
« جعلنا » هذا جعل تكويني في خلق « عدواً » لا تشريعاً لعدائه ، ولا خلقاً لعداوته ، وإنما عدم التسيير في ترك عدائه حيث الدار دار الاختيار في كل خير وشر ، دون تسيير وإجبار : « وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً . ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون . ولِتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون » « 3 » « وما أرسلنا
هامش
( 1 ) ) . 47 : 24
( 2 ) ) . سورة الفرقان ، الآية : 31
( 3 ) ) . 6 : 113