بذلك فضحك ودعا به فأطلقه ، وقال : وهبتك لنفسك . وكان هجاه فحبسه لذلك ، فلما عزل ابن هبيرة وحبس مدحه الفرزدق ، فقال : ما رأيت أكرم منه ، هجاني أميرا ومدحني أسيرا .
رواية أخرى لخبر هذه الشفاعة :
وجدت هذا الخبر بخط القاسم بن يوسف ، فذكر أن أبا القاسم الحضرميّ حدّثه أن هذه القصة كانت لأبي نخيلة مع يزيد بن عمر بن هبيرة ، وأنه أتي بأسيرين من الشّراه أخذا بعين التمر : أحدهما أبو القاسم بن بسطام بن ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة ، والآخر رجل من بكر بن وائل . فتكلم في البكري قومه فأطلقه ، ولم يتكلم في التميميّ أحد ، فدخل عليه أبو نخيلة فقال :
الحمد للَّه وليّ الأمر
هو الَّذي أخرج كلّ غمر [ 1 ]
وكلّ عوّار [ 2 ] وكلّ وغر [ 3 ]
من كلّ ذي قلب نقيّ الصدر
/ لما أتت من نحو عين التمر
ستّ أثاف ، لا أثافي القدر
فظلَّت القضبان فيهم تجري
هبرا [ 4 ] هو الهبر وفوق الهبر
إني لمهد للإمام الغمر [ 5 ]
شعري ونصح الحب [ 6 ] بعد الشعر
ثم ذكر باقي الأبيات كما ذكرت في الخبر المتقدم .
عندما نزل به ضيف هجاه :
أخبرني أبو الحسن الأسديّ أحمد بن محمد قال : حدّثني محمد بن صالح بن النّطاح قال :
ذكر عن العتبي أن أبا نخيلة حج ومعه جريب من سويق قد حلَّاه بقند [ 7 ] ، فنزل منزلا في طريقه ، فأتاه أعرابي من بني تميم وهو يقلب ذلك السويق ، واستحيا منه فعرض عليه ، فتناول ما أعطاه فأتى عليه ، ثم قال : زدني يا بن أخ ، فقال أبو نخيلة :
لما نزلنا منزلا ممقوتا
نريد أن نرحل أو نبيتا
جئت ولم ندر من أين جيتا
إذا سقيت المزبد السّحتيتا [ 8 ]
قلت ألا زدني وقد رويتا
فقام الأعرابيّ وهو يسّبه .
وحدّثني بهذا الخبر هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ قال : حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال :
هامش
[ 1 ] غمر : حقد .
[ 2 ] العوار في الأصل : اللحم ينزع من العين . والمراد الفساد والشر .
[ 3 ] وغر : ضغينة .
[ 4 ] الضرب الهبر : الَّذي يقطع من اللحم .
[ 5 ] الغمر : الكريم الخلق .
[ 6 ] في أ ، ف ، م : « الجيب » .
[ 7 ] القند : على قصب السكر إذا جمد ، معرب .
[ 8 ] السحيت : السويق القليل الدسم .