وغلامه زياد جالس على مسورة [ 1 ] يسقي ، وهو يومئذ غلام أمرد أصفر ، رقيق البدن حلو الوجه . ثم أخذ يراجعه ولا [ 2 ] أحد يستطيع يقول له : زدني ولا انقصني .
يعتقه إسحاق ويزوجه :
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ ، قال : حدّثني أحمد بن الهيثم ، يعني جدّ أبي - رحمه اللَّه - قال :
كنت ذات يوم جالسا في منزلي بسرّ من رأى وعندي إخوان لي ، وكان طريق إسحاق في مضيّه إلى دار الخليفة ورجوعه منها على منزلي ، فجاءني الغلام يوما وعندي أصدقاء لي فقال لي : إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب ، فقلت له : ويلك ! يدخل ، أوفى الخلق أحد يستأذن عليه لإسحاق ! .
فذهب الغلام وبادرت أسعى في أثره حتى تلقيته ، فدخل وجلس منبسطا آنسا ، فعرضنا عليه ما عندنا ، فأجاب إلى الشّرب ، فأحضرناه نبيذا مشمّسا فشرب منه ، ثم قال : أتحبون أن أغنّيكم ؟ قلنا : إي واللَّه أطال اللَّه بقاءك ، إنا نحب ذلك . قال : فلم لم تسألوني ؟ قلنا : هبناك واللَّه ، قال : فلا تفعلوا ، ثم دعا بعود فأحضرناه ، فاندفع فغنانا ، فشربنا وطربنا . فلما فرغ قال : أحسنت أم لا ؟ فقلنا : بلى واللَّه ، جعلنا اللَّه فداءك لقد أحسنت . قال : فما منعكم أن تقولوا لي : أحسنت ! .
/ قلنا : الهيبة واللَّه لك ، قال : فلا تفعلوا هذا فيما تستأنفون ، فإنّ المغنّي يحب أن يقال له : غنّ ، ويحبّ أن يقال له إذا غنّى : أحسنت ، ثم غنانا صوته :
خليليّ هبّا نصطبح بسواد
فقلنا له : يا أبا محمد ، من هو زياد الَّذي عنيته ؟ قال : هو غلامي الواقف بالباب ، ادعوه يا غلمان ، فأدخل إلينا ، فإذا غلام خلاسيّ ، قيمته عشرون دينارا أو نحوها . فأمسكنا عنه ، فقال : أتسألوني عنه فأعرّفكم إياه ويخرج كما دخل ، وقد سمعتم شعري فيه وغنائي ؟ أشهدكم أنه حرّ لوجه اللَّه ، وأنّي زوّجته أمتي فلانة ، فأعينوه على أمره .
قال : فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم ، أخرجناها له من أموالنا .
إسحاق يرثيه :
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال : حدّثني أبي ، قال : توفي زياد غلام إسحاق الَّذي يقول فيه :
وقولا لساقينا زياد يرقها
فقال إسحاق يرثيه :
فقدنا زيادا بعد طول صحابة
فلا زال يسقي الغيث قبر زياد
ستبكيك كأس لم تجد من يديرها
وظمآن يستبطي الزجاجة صاد
يطلب الأمين إسحاق فيغنيه :
أخبرني عمي ، قال : حدّثني ابن المكي عن أبيه ، قال :
هامش
[ 1 ] المسورة : المتكأمن الجلد ، ومثلها : المسور .
[ 2 ] كذا في نسخة بيروت ، وفي ب ، س : « وما أحد » ، وهو تحريف .