المسنّة . قال محمد بن عليّ الطالبيّ : ثم تحدّثنا ساعة ، فقلت : أما ترى لأبي سعد يا أبا عليّ وانهماكه في هجائك ؟
فقال دعبل : لكني لم أقل فيه إلا أبياتا سخيفة يلعب بها الصبيان والإماء ، وأنشدني قوله فيه :
يا أبا سعد قوصره
زاني الأخت والمره
لو تراه محنّبا
خلته عقد قنطره
أو ترى الأير في استه
قلت ساق بمقطره
قال محمد ، فقلت لدعبل : دع عنك ذا ، فقد واللَّه أوجعك الرجل ، فإن أجبته / بجواب مثله انتصفت ، وإلا فإن هذا اللغو الَّذي فخرت به يسقط وتفضح آخر الدهر ، قال : ثم أنشدته قول أبي سعد فيه [ 1 ] :
لم يبق لي لذّة [ 2 ] من طيّة [ 3 ] بدد [ 4 ]
ولا المنازل من خيف [ 5 ] ولا سند [ 6 ]
أبعد خمسين عادت جاهليته
يا ليت ما عاد منها اليوم لم يعد
وما تريد عيون العين من رجل
كرّ الجديدان في أيامه الجدد
أبدى سرائره وجدا [ 7 ] بغانية
ولو أطاع مشيب الرأس لم يجد
واستمطرت عبرات العين منزلة
لم يبق منها سوى الآريّ [ 8 ] والوتد
وما بكاؤك دارا لا أنيس بها
إلَّا الخواضب [ 9 ] من خيطانها [ 10 ] الرّبد [ 11 ]
/ لدعبل وطر في كل فاحشة
لو باد لؤم بني قحطان لم يبد
ولي قواف إذا أنزلتها بلدا
طارت بهن شياطيني إلى بلد
/ لم ينج من خيرها أو شرّها أحد
فاحذر شآبيبها [ 12 ] إن كنت من أحد
إنّ الطَّرمّاح نالته صواعقها
في ظلمة القبر بين الهام [ 13 ] والصّرد [ 14 ]
وأنت أولى بها إذ كنت وارثه
فابعد وجهدك أن تنجو على البعد
هامش
[ 1 ] م ، أ : « قول أبي سعد ، وفيه غناء » . « صوت » .
[ 2 ] م ، أ : « جلد » .
[ 3 ] كذا في م ، أ . والطية : الحاجة والوطر . س ، ب : « طرية » ، تحريف .
[ 4 ] بدد : متباعدة .
[ 5 ] الخيف : ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء ، ويضاف إلى أماكن متفرقة .
[ 6 ] السند : ما قابلك من الجبل ، وعلا من السفح ، واسم ماء لبني سعد .
[ 7 ] م ، أ : « وجد » .
[ 8 ] الآري : عود في حائط ، أو في حبل يدفن طرفاه في الأرض ويبرز طرف كالحلقة تشد فيها الدابة .
[ 9 ] الخواضب : جمع خاضب ، وهو الظليم ، أي ذكر النعام أكل الربيع فاحمرّ ساقاه . م ، أ : « ظلمانها » .
[ 10 ] الخيطان : جمع خيط كسيف ، وهو الجماعة من النعام .
[ 11 ] الربد : الغبر .
[ 12 ] الشآبيب : جمع شؤبوب ، وهو حد كل شيء وشدة دفعه .
[ 13 ] الهام : من طيور الليل ، جمع هامة .
[ 14 ] الصرد : طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير .