وأمّا الاستغاثة والنداء والانقطاع وما أشار إليها فلا تعدو أن تكون توسّلا بهم إلى المولى سبحانه ، واتّخاذهم وسائل إلى نجح طلباتهم عنده جلّت عظمته ، لقربهم منه وزلفتهم إليه ومكانتهم عنده لأنّهم عباد مكرمون ، لا لأنّ لذواتهم القدسيّة دخلا في إنجاح المقاصد أوّلا وبالذات ، لكنّهم مجاري الفيض وحلقات الوصل ووسائط بين المولى وعبيده كما هو الشأن في كلّ متقرّب من عظيم يتوسّل به إليه . وهذا حكم عامّ للأولياء والصالحين جميعا وإن كانوا متفاوتين في مراحل القرب . كلّ هذا مع العقيدة الثابتة بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه سبحانه . ولا تقع في المشاهد المقدّسة كلّها من وفود الزائرين إلّا ما ذكرناه من التوسّل « 1 » ؛ فأين هذه من مضادّة التوحيد ؟ ! وأين هؤلاء من الخصومة معه ومع أهله ؟ !
فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
« 2 » .
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
« 3 » .
رأس الحسين بمصر :
قال ابن جبير المتوفّى ( 614 ) في رحلته « 4 » :
هو في تابوت فضّة مدفون تحت الأرض ، قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولا يحيط الإدراك به . . . وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك ، وإحداقهم به وانكبابهم عليه وتمسّحهم بالكسوة الّتي عليه ، وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسّلين إلى اللّه سبحانه وتعالى ببركة التربة المقدّسة ، ومتضرّعين بما يذيب الأكباد ، ويصدع الجماد ، والأمر فيه أعظم ، ومرأى الحال أهول ، نفعنا اللّه ببركة ذلك المشهد
هامش
( 1 ) - فصّلنا القول في ذلك في ص 446 - 449 من كتابنا تلخيص الغدير .
( 2 ) - الأنعام : 112 .
( 3 ) - النحل : 105 .
( 4 ) - رحلة ابن جبير : 12 [ ص 19 ] .