قال أمير المؤمنين - عليه وآله صلوات المصلّين - :
« كمال التوحيد نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، وشهادة الصفة والموصوف بالاقتران الممتنع عنه الأزل » . « 1 »
فاصغ لما قال ؛ لأنّه خير مقال ، ولا يبقى لذي مقال مقال ، فإنّ تعدّد الصفات وتوحّد الذات من المطالب المسلَّمة بين العباد في جميع الأديان ، والذات واحدة ليست فيها الكثرات ، والكثرات ما شمّت رائحة الوحدة بلا شائبة بكلّ الاعتبارات ، فالواحد غير المتعدّد ، والمتعدّد غير الواحد بالضرورة القاضية بالحكم المحكم ، من العقل والنقل المبرم .
نعم ، ليس بين الذات و بين صفاتها بينونة عزلة بل بينونة صفة كزيد الظاهر في صفاته وفي أنفسكم ، أفلا تبصرون وحدةَ زيد وكثرة صفاته ، وعدم كثرة زيد وعدم وحدة صفاته ، وللَّه المثل الأعلى ، وله الأسماء الحسنى والأمثال العُليا .
فلأجل ذلك صارت صفاته المتعدّدة مبادئ أفعاله تعالى ؛ فالقدرة صدرت من القدير ، والحكمة من الحكيم ، والعلم من العليم ، وهكذا سائر صفاته ، وهو المحيط بكلّها بإحاطة غير متناهية ، فافهم إن كنت تفهم ، وإلّا فذره في سنبله ولا تنكر فتكفر
« فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ »
« 2 » وقالوا الحمد للَّهربّ العالمين .
بالجملة ، فلأجل ذلك صار الأئمّة عليهم السلام بحيث تنبت الأرض بهم - سلام اللَّه عليهم - أشجارها ، وبهم تثمر الأشجار ثمارها ، وبهم تنزل السماء قطرها ورزقها .
والعَجَب كلّ العجب من هؤلاء المنكرين تلك النسبة إليهم عليهم السلام وهم بأنفسهم يرون رأي العين من غير معين أنّ الشمس المضيئة هي العلّة الفاعليّة لإنبات النبات ، بل لإحياء ذوي الحياة ؛ فبمحض ارتفاعها في الصيف تنبت الأرض نباتها ، وبانخفاضها في الشتاء تسقط الأشجار أوراقها ، فهي العلّة الفاعليّة لإنبات الأشجار وإثمار الثمار ، وذلك لا ينافي كونها مخلوقة للَّهتعالى ، فلمّا وصل الأمر إلى الاصول الحقيقيّة ، ارتفعت الأصوات بأنّه غلوّ وارتفاع حتّى ملأ الأصقاع ، وترى الشمس وإشراقها
هامش
( 1 ) . التوحيد ، ص 57 ، ح 14 ؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج 2 ، ص 135 ، ح 51 ؛ تحف العقول ، ص 61 ، بتفاوت يسير في الجميع .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 89 .