فالأنبياء والرُّسل وأوصياؤهم عليهم السلام هم المبيِّنون المبلِّغون من عند اللَّه من غير شائبة عن اللَّه سبحانه في جميع القرون والأعصار من غير غبار .
والذي ظهر من الأخبار المتجاوزة عن حدّ التواتر أنّهم عليهم السلام أوّل الخلائق أجمعين ، « 1 » فكانوا كائنين قبل الدور ومع الدور و بعد الدور ، فكانوا مبيِّنين في كلّ زمان وأوان مبشِّرين منذرين ، كما صرّح به أمير المؤمنين عليه وآله صلوات المصلّين فقال : « ألا وإنّا نحن النذر الاولى و نذر الآخرة والاولى و نذر كلّ زمان وأوان » . « 2 »
فكانوا مع كلّ نبيٍّ ورسول من آدم إلى يوم يقوم الأشهاد ، يؤيِّدونه ويسدّدونه ويحرِّكونه ويسكّنونه إلى ما أراد اللَّه منهم ، وهم عبادٌ مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
والأنبياء والمرسلون سوى نبيّنا صلى الله عليه و آله لمّا لم يكونوا بأوّل صادر من اللَّه تعالى صاروا مبتلين بالباب الذي ابتلي به الناس ، فهم صادرون عن أمرهم ونهيهم عليهم السلام ؛ و من يطع الرسول صلى الله عليه و آله فقد أطاع اللَّه . وفي الزيارة : « مَنْ أطاعكم فقد أطاع اللَّه » .
فالمبيّن المطاع الحقيقي هم الأوّلون لا يسبقهم سابق ، ولا يفوقهم فائق ، ولا يلحق بهم لاحق .
قال عليه السلام : ( وبكم يباعد اللَّه الزمان الكلب بالوفادة ) .
« الكلب » هو المجدب الذي لا يقطر فيه القطر ، فلا ينبت فيه النبت والزرع ، فيحدث القحط ويتألّم الناس كما يتألّم من عضّه الكَلبُ الكَلِبُ ، وهو كناية عن شدّة الزمان في القحط الذي لا يوجد فيه الزرع والحبّ ، فكأنّه الكلب الكَلِب لا علاج لعضّه ، ولا دواء لدائه الذي حدث فيه بالجملة .
وقوله عليه السلام : « بكم يباعد اللَّه » كقوله عليه السلام : « بكم يبيّن اللَّه » فكما أنّ المبيّن من عند اللَّه سبحانه في جميع القرون والأعصار هم حجج اللَّه بلا غبار ، وهم العلّة الفاعليّة حقيقة ؛ إذ الذات لاتدركه الأبصار ، ولا تحويه خواطر الأفكار ، ولا تمثّله الظنون في الأسرار ،
هامش
( 1 ) . انظر بحارالأنوار ، ج 33 ، ص 69 .
( 2 ) . مشارق أنوار اليقين ، ص 264 ، خطبة التطنجية .