الخامس : إنّه ضعيف لموافقته لمذهب العامّة ، فيجب حمله على التقيّة و العمل على ما يعارضه ، لقوّته بمخالفة العامّة و عدم احتمال التقيّة ، كما أمر به الأئمّة عليهم السلام في الجمع بين الأحاديث المختلفة ؛ بل هذا أقوى وجوه الترجيح ؛ لأنّ سبب اختلاف الأحاديث هو ضرورة التقيّة في أكثر مواضعه إن لم يكن كلّها . و قد نقل القول بإباحة الغناء عن معاوية و المغيرة بن شعبة و ابن الزبير و عبد اللَّه بن جعفر ، « 1 » و كان ذلك يعدّ من مطاعن معاوية . و قال عزّ الدين ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة :
ما ينسب إلى معاوية من شرب الخمر سرّا لم يثبت ؛ لاختلاف أهل السيرة فيه ، إلّا أنّه لا خلاف في أنّه كان يستمع الغناء . « 2 »
و في بعض التواريخ : أنّ عبد اللَّه بن جعفر كان يعيّر بهذا القول في زمانه حتّى من عمرو بن العاص و أمثاله . « 3 »
و قد نقل الشيخ في الخلاف عن أبي حنيفة و مالك و الشافعي كراهة الغناء و عدم تحريمه . « 4 » و حكى بعضهم عن مالك إباحته من غير كراهة . « 5 » و حكى أبو حامد الإسفرائيني من فقهاء الشافعية إجماعهم على إباحته . « 6 » و حكى القاضي أبو الطيّب الطبري عن الشافعي و مالك و أبي حنيفة و سفيان و غيرهم ألفاظا استدلّ بها على أنّهم رأوا تحريمه . « 7 » و حكى عن الشافعي أيضا أنّه قال : « الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ، من استكثر منه [ فهو سفيه ] تردّ شهادته » . « 8 » و نقل تفاصيل أقوالهم تطويل من غير طائل ، لكن يعلم أنّ كثيرا منهم قائل بالإباحة ، و ذلك دليل على التحريم لما يأتي إن شاء اللَّه تعالى .
هامش
( 1 ) . راجع بوراق الإلماع ، ص 12 ؛ العقد الفريد ، ج 6 ، ص 16 - 17 .
( 2 ) . شرح نهج البلاغة ، ج 16 ، ص 161 . و فيه : « . . . و نقل الناس عنه فى كتب السيرة أنّه كان يشرب الخمر فى أيام عثمان فى الشام ، وأمّا بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له ، فقد اختلف فيه ؛ فقيل : إنّه شرب الخمر فى ستر ، وقيل : إنّه لم يشربه ، ولا خلاف فى أنّه سمع الغناء وطرب عليه » .
( 3 ) . بوارق الإلماع ، ص 12 - 13 نقلًا عن الحاوى الكبير للماوردى .
( 4 ) . الخلاف ، ج 6 ، ص 305 ، المسألة 54 .
( 5 ) . الخلاف ، ج 6 ، ص 305 ، المسألة 54 .
( 6 ) . الخلاف ، ج 6 ، ص 305 ، المسألة 54 .
( 7 ) . الردّ على من يحبّ السماع ، ص 27 - 32 .
( 8 ) . الردّ على من يحبّ السماع ، ص 27 ، نقلًا عن أدب القضاء للشافعى .