وقد قال تعالى :
« وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً »
« 1 » .
و من الإسراف أكل التمر ورمي النوى ، وشرب الماء وصبّ ما بقي في الكوز على الأرض ، إلى غير ذلك .
وكما يصحّ نسبة التقتير للفقر ، والإسراف للغنى ، كذلك يصحّ نسبة الحالين لكلّ من الحالين ؛ أي فلا اقتّر ولا اسرف في حال الفقر ، وكذلك في حال الغنى ، بل أجعلني كائناً على حاقّ الوسط ومتن الاعتدال من الأمر في كلّ منهما .
وهذان الفقر والغنى كما يصحّ أن يكونا ماليّين ويكون تحقّق الفقر بالنسبة له صلى الله عليه و آله و سلم إنّما يكون بحسب الصورة دون المعنى ؛ فإنّ بيده خزائن السماوات والأرض و ما هو كذلك ليس به فقير حقيقة ، كذلك يصحّ أن يُراد بهما الفقر والغنى بحسب الذات والمعرفة ؛ فإنّه فقير ذاتي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، غنيّ بربّه وبمعارف أسراره وبما ملّكه وفوّض إليه في مثل قوله :
« فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ »
« 2 » ،
« وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا »
« 3 » .
وفقره إلى اللَّه هو الذي افتخر به فقال : « الفقر فخري و به أفتخر » . « 4 »
و معنى التقتير حينئذٍ في الفقر هو التفريط في جعله نفسه - مثلًا - كآلة الحدّاد بحيث لاينسب لها فعلًا على حدّ الأشعري الذي هو من الشعور بريء ، والإسرافُ فيه القول بالتفويض الذي اعتزل به عن الحقّ المعتزلي ، وكلّ منهما قد عميت إحدى عينيه ؛ فالمعتزلي اليمنى ، والأشعري اليُسرى ، والقصد هو أنّه لا جبر ولا تفويض و لكن أمرٌ بين أمرين .
والتقتير في الغنى كما يصحّ أن يُراد به حبس المعارف والأسرار عن متحمّليها ،
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 29 .
( 2 ) . ص ( 38 ) : 39 .
( 3 ) . الحشر ( 59 ) : 7 .
( 4 ) . عدّة الداعي ، ص 112 ، في مدح الفقر وفضيلة ؛ عوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 39 ، ح 38 ؛ بحارالأنوار ، ج 69 ، ص 30 .