والاستعدادات ، مديرة الدائرات ومسخّرة القاهرات ، وأمر اللَّه الذي به قامت الأرضون والسماوات ، والواحد الذي يستدلّ به على التوحيد البحت الثابت الغير المشوب بشيء من أنحاء الكثرات وحدود الإنّيات ، فأوقع عليها صفة المحدثات لأن لايتوهّم أنّها أصلٌ قديم أزلي غير الذات جلّ وعلا .
ثمّ أزال عليه السلام بقوله : « بنفسها » ، توهّمات عديدةً :
منها : توهّم مَن زعم أنّ الأشياء كلّها محدثة بعضها من بعض من غير انتهاء ، « 1 » فنفى عليه السلام بهذه اللفظة التسلسل ؛ إذ جعل منشئها ومبدئها نفسها ، لا شيء سواها .
ومنها : توهّم مَن زعم أنّ ذاته تعالى مادّة الموادّ وهيولى الهيوليّات ، « 2 » فأبطل عليه السلام بهذه اللفظة أيضاً وجود مادّة وهيولى لها مطلقاً ، حادثة كانت أو قديمة ، مخلوقة بشيء أو من سواها .
ومنها : توهّم احتياج المشيئة - أي الفعل - إذا اعتبر حدوثه ومفعوليّته إلى تعلّق فعل آخر عليه ، فنفى عليه السلام بقوله : « خلق المشيّة بنفسها » وجود فعل آخر ثمّة غيرها ليتوقّف صدورها عن فاعلها عليه .
ولا يتوهّم عاقل من هذا الكلام أنّ المشيّة شيء ونفسها شيءٌ آخر ؛ لاستلزام توهّم كثرة فيها ، وقد علم أنّ وحدتها في ذاتها وهويّتها دليل أحديّته البحتة الصرفة تقدّس و تعالى ، فهي من حيث نفسها وذاتها في غاية الوحدة والبساطة ، ولايكون في الإمكان أبسط منها ، فلم تكن نفسها غيرها حتّى تتوقّف في صدورها على شيءٍ سواها ، بل يفهم الناقد الموحِّد من هذا الكلام أنّ صدور المشيّة عن فاعلها لم يكن إلّابنفسها التي هي عين حقيقتها من دون حاجة إلى شيء سواها ، وإلّا لم تكن مخترعة مبتدعة ، فكانت مفعوليّتها بنفسها ، وفاعليّتها بحقيقتها التي هي عين نفسها ، فالفاعليّة - التي يعتبر فيها الفعل لنفس الفعل - ليس إلّاللفعل نفسه .
هامش
( 1 ) . جعل الكليني في الكافي ، ج 1 ، ص 136 ، ذيل ح 1 ، قول أميرالمؤمنين عليه السلام : « لامن شىء خلق ماكان » الذيتقدم تخريجه إشارة إلى ردّ هذا الرأي .
( 2 ) . لمزيد التوضيح انظر مرآة العقول ، ج 2 ، ص 18 .