قال : فما دخل أذني كلام قطَّ أحلى من كلامها ، ولا رأيت أنضر وجها منها ، فعدلت بها عن ذلك الشعر [ 1 ] وقلت :
أترى الزّمان يسرّنا بتلاق
ويضمّ مشتاقا إلى مشتاق
فأجابتني بسرعة فقالت :
ما للزّمان وللتّحكَّم بيننا
أنت الزّمان فسرّنا بتلاق
قال : فمضيت أمامها أؤمّ بها دار مسلم بن الوليد وهي تتبعني ، فصرت إلى منزله ، فصادفته على عسرة ، فدفع إليّ منديلا وقال : اذهب فبعه ، وخذ لنا ما نحتاج إليه وعد ؛ فمضيت مسرعا . فلما رجعت وجدت مسلما قد خلا بها في سرداب ، فلما أحسّ بي وثب إليّ وقال : عرّفك اللَّه يا أبا عليّ جميل ما فعلت ، ولقّاك ثوابه ، وجعله أحسن حسنة لك ، فغاظني قوله وطنزه [ 2 ] ، وجعلت أفكَّر أيّ شيء أعمل به ، فقال : بحياتي يا أبا عليّ أخبرني من الَّذي يقول :
بتّ في درعها وبات رفيقي
جنب القلب طاهر الأطراف
/ فقلت :
من له في حر امّه ألف قرن
قد أنافت على علوّ مناف !
وجعلت أشتمه وأثب [ 3 ] عليه ، فقال لي : يا أحمق ، منزلي دخلت ، ومنديلي بعت ، ودراهمي أنفقت ، على من تحرد أنت ؟ وأيّ شيء سبب حردك يا قوّاد ؟ فقلت له : مهما كذبت عليّ فيه من شيء فما كذبت في الحمق والقيادة .
هجاؤه ثلاثة كانوا يصلونه أخبرني الحسن بن عليّ ، قال : حدّثني ابن مهرويه والعنزيّ ، عن محمد بن عبد اللَّه العبديّ ، قال :
هجا مسلم بن الوليد سعيد بن سلم ويزيد بن مزيد وخزيمة بن خازم فقال :
ديونك لا يقضى الزّمان غريمها
وبخلك بخل الباهليّ سعيد
سعيد بن سلم أبخل [ 4 ] النّاس كلَّهم
وما قومه من بخله ببعيد
يزيد له فضل ولكنّ مزيدا
تدارك فينا بخله بيزيد [ 5 ]
خزيمة لا عيب له [ 6 ] غير أنه
لمطبخه قفل وباب حديد
هجاؤه سعيد بن سلم أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ ، قال : حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة ، قال : حدّثنا الأصمعيّ ، قال :
قال لي سعيد بن سلم : قدمت عليّ امرأة من باهلة من اليمامة ، فمدحتني بأبيات ، ما تمّ سروي بها حتى
هامش
[ 1 ] في ما : « الوجه » .
[ 2 ] طنزه : سخريته وتهكمه .
[ 3 ] ف : « وأبث عليه » .
[ 4 ] في الديوان - 271 :« سعيد بن سلم ألأم الناس كلهم ».
[ 5 ] في الديوان - 271 :« تدارك أقصى مجده بيزيد ».
[ 6 ] في الديوان - 271 :« خزيمة لا بأس به غير أنه ».