الفرسان أن يقوما [ 1 ] وليس يخدش واحد منهما صاحبه ، ثم تحاجزا [ 2 ] بشيء ، فزجّ كلّ واحد منهما برمحه ، وأصلت سيفه ، فتجالدا مليّا ، واشتدّ الحرّ عليهما ، وتبلَّد الفرسان ، وجعل ابن الجزريّ يضرب الرّوميّ الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها فيتقيها الروميّ ، وكان ترسه حديدا ؛ فيسمع لذلك صوت منكر ، ويضربه الرّوميّ ضرب معذّر ؛ لأن ترس ابن الجزريّ كان درقة ، فكان العلج يخاف أن يعضّ بالسّيف فيعطب ، فلما يئس من وصول كل واحد منهما إلى صاحبه انهزم ابن الجزريّ ؛ فدخلت المسلمين كآبة لم لم يكتئبوا مثلها قطَّ ، وعطعط [ 3 ] المشركون اختيالا وتطاولا ، وإنما كانت هزيمته حيلة منه ؛ فأتبعه العلج ، وتمكَّن منه ابن الجزريّ فرماه بوهق [ 4 ] فوقع في عنقه وما أخطأه ، وركض فاستلَّه عن فرسه ، ثم عطف عليه فما وصل إلى الأرض حيّا حتى فارقه رأسه ، فكبّر المسلمون أعلى تكبير ، وانخذل المشركون وبادروا الباب يغلقونه ، واتصل الخبر بالرّشيد فصاحب القوّاد : اجعلوا النار في المجانيق وارموها فليس عند القوم دفع ، ففعلوا وجعلوا الكتّان والنّفط على الحجارة وأضرموا فيها النار ورموا بها السور ، فكانت النار تلصق به وتأخذ الحجارة ، وقد تصدّع فتهافتت ، فلما أحاطت بها النيران فتحوا الباب مستأمنين ومستقبلين ، فقال الشاعر المكَّيّ الذي كان ينزل جدّة :
صوت
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا
حوائما [ 5 ] ترتمي بالنّفط والنّار
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم
مصبّغات على أرسان قصّار
في هذين البيتين لابن جامع لحن من الثقيل الأوّل بالبنصر .
قال محمد بن يزيد : وهذا كلام ضعيف لين ، ولكنّ قدره عظيم في ذلك الموضع والوقت ، وغنّى فيه المغنّون بعد ذلك . / وأعظم الرّشيد الجائزة للجدّيّ الشاعر ، وصبّت الأموال على ابن الجزريّ وقوّد ، فلم يقبل التّقويد إلا بغير رزق ولا عوض ، وسأل أن يعفى وينزل بمكانه من الثّغر ، فلم يزل به طول عمره .
ابن جامع يغني الرشيد بهرقلة
أخبرني محمد بن خلف وكيع ، قال : حدثنا عبد اللَّه بن أبي سعد ، قال : حدّثنا أحمد بن عليّ بن أبي نعيم المروزيّ قال :
خرج الرّشيد غازيا بلاد الرّوم فنزل بهرقلة ، فدخل عليه ابن جامع فغنّاه :
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا
حوائما ترتمي بالنّفط والنّار
فنظر الرشيد إلى ماشية قد جيء بها ، فظنّ أن الطاغية قد أتاه ، فخرج يركض على فرس له وفي يده الرّمح ، وتبعه الناس ، فلما تبيّن له أنها ماشية رجعوا ، فغنّاه ابن جامع :
هامش
[ 1 ] ف : « وكاد الفرسان يقومان » .
[ 2 ] ف : « ثم تحاورا بشيء » .
[ 3 ] العطعطة : تتابع الأصوات واختلاطها .
[ 4 ] الوهق : الحبل في طرفيه أنشوطة يطرح في عنق الدابة والإنسان .
[ 5 ] في « التجريد » : « جواثما » .