وكان أبو عامر قد حلف ليركزن رمحه في أصل مزاحم أطم عبد اللَّه بن أبيّ ، فخرجت جماعة من الأوس حتى أحاطوا به ، وكانت تحت أبي عامر / جميلة بنت عبد اللَّه بن أبيّ ، وهي أمّ حنظلة الغسيل بن أبي عامر ، فأشرف عليهم عبد اللَّه ، فقال : إني واللَّه ما رضيت هذا الأمر ، ولا كان عن رأيي ، وقد عرفتم كراهتي له ، فانصرفوا عني ، فقال أبو عامر : لا واللَّه ، لا أنصرف حتّى أركز لوائي في أصل أطمك .
فلمّا رأى حنظلة أنه لا ينصرف ، قال لهم : إنّ أبي شديد الوجد بي ، فأشرفوا بي عليه ، ثم قولوا : واللَّه لئن لم تنصرف عنّا لنرمينّ برأسه إليك . فقالوا ذلك له ، فركز رمحه في أصل الأطم ليمينه [ 1 ] ثم انصرف ، فذلك قول قيس بن الخطيم [ 2 ] :
صبحنا به الآطام حول مزاحم
قوانس أولى بيضنا كالكواكب [ 3 ]
أبو قيس بن الأسلت يأسر مخلد بن الصامت ثم يخلي سبيله
وأسر أبو قيس بن الأسلت يومئذ مخلد بن الصامت الساعديّ أبا مسلمة بن مخلَّد ، اجتمع إليه ناس من قومه من مزينة ومن يهود ، فقالوا : اقتله ، فأبى ، وخلَّى سبيله ، وأنشأ يقول :
أسرت مخلَّدا فعفوت عنه [ 4 ]
وعند اللَّه صالح ما أتيت
مزينة عنده ويهود قورى
وقومي كلّ ذلكم كفيت [ 5 ]
خفاف بن ندبة يرثي حضير الكتائب
وقال خفاف بن ندبة ، يرثي حضير الكتائب - وكان نديمه وصديقه - :
لو أنّ المنايا حدن عن ذي مهابة
لهبن حضيرا يوم أغلق واقما [ 6 ]
أطاف به حتى إذا الليل جنّة
تبّوأ منه منزلا متناعما
/ وقال أيضا يرثيه :
أتاني حديث فكذّبته
وقيل : خليلك في المرمس
فيا عين بكَّي حضير النّدى
حضير الكتائب والمجلس
/ ويوم شديد أوار الحديد
تقطَّع منه عرى الأنفس
صليت به وعليك الحدي
د ما بين سلع إلى الأعرس
فأودى بنفسك يوم الوغى
ونقّى ثيابك لم تدنس
هامش
[ 1 ] أي لينفذ يمينه .
[ 2 ] ديوانه 40 .
[ 3 ] القوانس : جمع القونس : أعلى بيضة الحديد أو معدنها .
[ 4 ] في أ : « أسرنا » .
[ 5 ] في أ : « لقيت » .
[ 6 ] وأقم : أطم بالمدينة ، وفي معجم البلدان :فلو كان حي ناجيا من حمامه
لكان حضير يوم أغلق واقما