على الجيش الذي بعثه كسرى إلى اليمن ، وكانت العير تحمل نبعا [ 1 ] ، فكانت تبذرق [ 2 ] من المدائن حتى تدفع إلى النعمان ، / ويبذرقها النعمان بخفراء من بني ربيعة ومضر حتى يدفعها إلى هوذة بن عليّ الحنفي ، فيبذرقها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة ، ثم تدفع إلى سعد ، / وتجعل لهم جعالة ، فتسير فيها ، فيدفعونها إلى عمّال باذام باليمن .
فلما بعث كسرى بهذه العير قال هوذة للأساورة : انظروا الذي تجعلونه لبني تميم فأعطونيه ؛ فأنا أكفيكم أمرهم ، وأسير فيها معكم ، حتى تبلغوا مأمنكم ، فخرج هوذة والأساورة والعير معهم من هجر ، حتى إذا كانوا بنطاع بلع بني سعد ما صنع هوذة ، فساروا إليهم ، وأخذوا ما كان معهم ، واقتسموه وقتلوا عامّة الأساورة ، وسلبوهم ، وأسروا هوذة بن عليّ ، فاشترى هوذة نفسه بثلاثمائة بعير ، فساروا معه إلى هجر ، فأخذوا منه فداءه ، ففي ذلك يقول شاعر بني سعد :
ومنّا رئيس القوم ليلة أدلجوا
بهوذة مقرون اليدين إلى النّحر
وردنا به نخل اليمامة عانيا
عليه وثاق القدّ والحلق السّمر
فعمد هوذة عند ذلك إلى الأساورة الذين أطلقهم بنو سعد ، وكانوا قد سلبوا ، فكساهم وحملهم ، ثم انطلق معهم إلى كسرى ، وكان هوذة رجلا جميلا شجاعا لبيبا ، فدخل عليه فقصّ أمر بني تميم وما صنعوا ، فدعا كسرى بكأس من ذهب فسقاه فيها ، وأعطاه إياها وكساه قباء ديباج منسوجا بالذهب واللؤلؤ ، وقلنسوة قيمتها ثلاثون ألف درهم ، وهو قول الأعشى [ 3 ] :
له أكاليل بالياقوت فصّلها
صوّاغها لا ترى عيبا ولا طبعا
وذكر أن كسرى سأل هوذة عن ماله ومعيشته فأخبره أنه في عيش رغد ، وأنه يغزو المغازي فيصيب .
فقال له كسرى في ذلك : كم ولدك ؟ قال : عشرة ، قال : فأيّهم أحبّ / إليك ؟ قال : غائبهم حتى يقدم ، وصغيرهم حتى يكبر ، ومريضهم حتى يبرأ . قال كسرى : الذي أخرج منك هذا العقل حملك على أن طلبت مني الوسيلة . وقال كسرى لهوذة : رأيت هؤلاء الذين قتلوا أساورتي ، وأخذوا مالي ، أبينك وبينهم صلح ؟ .
قال هوذة : أيها الملك بيني وبينهم حساء [ 4 ] الموت ، وهم قتلوا أبي . فقال كسرى : قد أدركت ثأرك ، فكيف لي بهم ؟ قال هوذة : إنّ أرضهم لا تطيقها أساورتك ، وهم يمتنعون بها ، ولكن احبس عنهم الميرة ، فإذا فعلت ذلك بهم سنة أرسلت معي جندا من أساورتك ، فأقيم لهم السوق ؛ فإنهم يأتونها ، فتصيبهم عند ذلك خيلك .
ففعل كسرى ذلك ، وحبس عنهم الأسواق في سنة مجدبة ، ثم سرّح إلى هوذة فأتاه ، فقال : ائت هؤلاء فاشفني منهم ، واشتف . وسرّح معهم جوار بودار [ 5 ] ورجلا من أردشير خرّه . فقال لهوذة : سر مع رسولي هذا ، فسار في ألف أسوار حتى نزلوا المشّقر من أرض البحرين ، هو حصن هجر .
هامش
[ 1 ] أ ، ج : « نبفا » . والنبع : شجر القسي .
[ 2 ] تبذرق : تخفر .
[ 3 ] ديوانه 107 .
[ 4 ] حساء الموت : شربه وتجرعه .
[ 5 ] كذا ضبط في أ ، م وفي ج : « جوار يودار » .