ووقفت مستسلما ؛ فدنا مني وأخذ السيف والقوس ، ثم قال : ارتدف خلفي ، وعرف أني الرجل الذي شربت اللَّبن عنده ، فقال : كيف ظنّك بي ؟ قلت : أسوأ ظنّ [ 1 ] . قال : وكيف ؟ قلت : لما لقيت من تعب ليلتك ، وقد أظفرك اللَّه بي ، فقال : أترانا كنّا نهيجك ، وقد بتّ / تنادم مهلهلا ؟ قلت : أزيد الخيل أنت ؟ قال : نعم ، أنا زيد الخيل ، فقلت :
كن خير آخذ ، فقال : ليس عليك بأس .
فمضى إلى موضعه الذي كان فيه ، ثم قال : أما لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك ، ولكنها لبنت مهلهل ، فأقم عليّ ؛ فإني على شرف غارة .
فأقمت أياما ، ثم أغار على بني نمير بالملح ، فأصاب مائة بعير ، فقال : هذه أحبّ إليك أم تلك ؟ قلت : هذه ، قال : دونكها . وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء ، حتى وردوا بي الحيرة ، فلقيني نبطيّ : فقال لي : يا أعرابيّ ، أيسرّك أنّ لك بإبلك بستانا من هذه البساتين ؟ قلت : وكيف ذاك ؟ قال : هذا قرب مخرج نبيّ يخرج فيملك هذه الأرض ، ويحول بين أربابها وبينها ، حتى إن أحدهم ليبتاع البستان من هذه البساتين بثمن بعير .
قال : فاحتملت بأهلي حتى انتهيت إلى موضع الشّيّطين [ 2 ] فبينما نحن في الشّيّطين [ 3 ] على ماء لنا ، وقد كان الحوفزان بن شريك أغار على بني تميم ، فجاءنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فأسلمنا ، وما مضت / الأيام حتى شربت بثمن بعير من إبلي بستانا بالحيرة . فقال في يوم الملح زيد الخيل :
ويوم الملح ملح بني نمير
أصابتكم بأظفار وناب
يسأل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم عن حكم ما تصيده الكلاب من الوحش
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد ، قال : أخبرني عمّي عن ابن الكلبيّ ، عن أبيه ، والشرقي :
أنّ زيد الخيل قال للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم : إن في الحيّ رجلين لهما كلاب مضرّيات [ 4 ] تصيد الوحش ، أفنأكل مما أمسكته / ولم تدرك ذكاته ؟ فقال : « إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللَّه عليه وكل مما أمسك » ، أو كما قال عليه السّلام .
ليلى بنت عروة أنشدت شعرا لأبيها في يوم محجر
أخبرني الحسين بن يحيى ، عن حماد بن إسحاق ، عن أبيه إسحاق ، عن الهيثم بن عديّ ، عن حمّاد الراوية ، عن ابن أبي ليلى ، قال :
أنشدتني ليلى بنت عروة بن زيد الخيل الطائي شعر أبيها في يوم محجّر [ 5 ] :
بني عامر هل تعرفون إذا غدا
أبو مكنف قد شدّ عقد الدوابر [ 6 ]
بجيش تضلّ البلق في حجراته
ترى الأكم فيه سجّدا للحوافر
هامش
[ 1 ] كذا في ج ، وفي ب ، س ، ما : « أحسن الظن » .
[ 2 ] كذا في ما . وفي ب ، س : سقط اسمه من الكتاب .
[ 3 ] الشيطان : واديان في ديار بني تميم لبني دارم ، ويوم الشيطين من أيامهم .
[ 4 ] مضريات : معلمات للصيد .
[ 5 ] أ : « محجن » ، تحريف . وفي البلدان : محجر ، بالضم ثم الفتح وكسر الجيم المشددة ، وقد تفتح . والأبيات في الكامل 1 : 358 .
[ 6 ] س والمختار : « الدوائر » ، والمثبت يوافق ما في الكامل .