كنت عند عمرو بن بانة يوما ففتح باب داره فإذا بخادم أبيض شيخ قد دخل يقود بغلا له عليه مزادة ، فلما رآه عمرو صرخ : لا إله إلا اللَّه ، ما أعجب أمرك يا دنيا ! فقلت له : مالك ؟ قال : يا أبا عبد اللَّه [ 1 ] ، هذا الخادم رزق غلام [ 2 ] علَّوية المغني ، الذي يقول فيه الحسين بن الضحاك الشاعر :
يا ليت رزقا كان من رزقي
يا ليته حظَّي من الخلق
قد صار إلى ما ترى . ثم غنّاني لحنا له في هذا الشعر ، فما سمعت أحسن منه منذ خلقت .
نسبة هذا اللحن
صوت
يا ليست رزقا كان من رزقي
يا ليته حظَّي من الخلق
يا شادنا ملَّكته رقّي
فلست أرجو راحة العتق
الشعر للحسين بن الضحاك ، والغناء لعمرو بن بانة ، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى .
ابتياع المتوكل له بيتا
وقال علي بن محمد الهشامي : حدّثني جدّي - يعني ابن حمدون - قال : كنا عند المتوكَّل ومعنا عمرو بن بانة ، في آخر يوم من شعبان فقال له عمرو : يا أمير المؤمنين ، / جعلني اللَّه فداءك ، تأمر لي بمنزل فإنه لا منزل لي يسعني . فأمر المتوكَّل عبيد اللَّه بن يحيى بأن يبتاع له منزلا يختاره . قال : وهجم / الصوم وشغل عبيد اللَّه ، وانقطع عمرو عنا ، فلما أهلّ شوال دعا بنا المتوكل فكان أول صوت غناه عمرو في شعر هذا :
صوت
ملَّاك ربّي الأعياد تخلقها
في طول عمر يا سيد الناس [ 3 ]
دفعت عن منزل أمرت به
فإنّني عنه مباعد خاس [ 4 ]
[ فمر بتسليمه إليّ على
رغم عدوّي بحرمة الكاس ] [ 5 ]
أعوذ باللَّه والخليفة أن
يرجع ما قتله على رأسي
لحن عمرو في هذا الموضع هزج بالبنصر .
فدعا المتوكَّل بعبيد اللَّه بن يحيى فقال له : لم دافعت عمرا بابتياع المنزل الذي كنت أمرتك بابتياعه ؟ فاعتلّ بدخول الصوم وتشعّب الأشغال . فتقدّم إليه أن لا يؤخر ابتياع ذلك إليه ، فابتاع له الدور التي في دور سرّ من رأى ، بحضرة المعلَّى بن أيوب . وفيها توفي عمرو .
هامش
[ 1 ] ما عدا ط ، ها ، مب : « يا عبد اللَّه » .
[ 2 ] ط ، مب : « خادم » .
[ 3 ] ملاك الأعياد : متعك بها وأعاشك معها طويلا . تخلقها : تبليها . ما عدا ط ، ها ، مب « تخلفها » بالفاء .
[ 4 ] س : « رفعت » و « معبد » . الخاسىء : المبعد .
[ 5 ] هذا البيت من ط ، ها ، مب ، ف فقط .