قديما ، وقد أخذه عني مخارق وعقيد ، فقال : غنّياه . فغنّياه ، فوثب ابن جامع فجلس بين يديه ثم حلف بالطلاق ثلاثا بأنه صنعه في ليلته الماضية ، ما سبق إليه ابن جامع أحد ، فنظر الرشيد إليّ ، فغمزته بعيني أنه صدق ، وجدّ الرشيد في العبث به بقيّة يومه ، ثم سألني بعد ذلك عن الخبر ، فصدّقته عنه وعن الزّفّ ، فجعل يضحك ويقول : لكل شيء آفة ، وآفة ابن جامع الزّفّ ، قال حماد : وللزّف صنعة يسيرة جيّدة منها في الرمل الثاني :
صوت
لمن الظعائن سيرهنّ تزحّف
عوم السّفين إذا تقاذف مجذف [ 1 ]
مرّت بذي حسم كأنّ حمولها
نخل بيثرب طلعها متزحّف [ 2 ]
فلئن أصابتني الحروب لربّما
أدعى إذا منع الرّداف فأردف [ 3 ]
فأثير غارات وأشهد مشهدا
قلب الجبان به يطيش فيرجف
قال : ومن مشهور صنعته في هذه الطريقة :
صوت
إذا شئت غنّتني بأجراع بيشة
أو النخل من تثليث أو من يلملما [ 4 ]
مطوّقة طوقا وليس بحلية
ولا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما
تبكَّي على فرخ لها ثم تغتدي
مدلَّهة تبغي له الدهر مطعما [ 5 ]
تؤمل منه مؤنسا لانفرادها
وتبكي عليه إن زقا أو ترنما [ 6 ]
ومن صنعته في هذه الطريقة :
صوت
يا زائرينا من الخيام
حيّاكما اللَّه بالسلام
يحزنني أن أطعتماني
ولم تنالا سوى الكلام
هامش
[ 1 ] تزحف : من تزحف الصبي على الأرض أو على بطنه ، قبل أن يمشي . والسفين : جمع سفينة ، ومجداف السفينة ومجذافها بالدال وبالذال : لغتان فصيحتان . وفي ج « يحذف » .
[ 2 ] ذو حسم : موضع بالبادية ، وجاء في شعر المهلهل :أليلتنا بذي حسم أنيري
إذا أنت انقضيت فلا تحوريوالحمول : الهوادج ، أو الإبل عليها الهوادج ، واحدها حمل بالكسر ويفتح ، يثرب : المدينة المنورة .
[ 3 ] أردفه معه : أركبه ؛ وردفه بالكسر وأردفه : ركب خلفه .
[ 4 ] بيشة : من عمل مكة مما يلي اليمن ، وهي من مكة على خمس مراحل ، بها من النخل شيء كثير . وفي ج ، وب « شيبة » .
والأجراع : جمع جرع بالتحريك ، وهو الرملة الطيبة المنبتة السهلة المستوية . تثليث : موضع بالحجاز قرب مكة . يلملم : موضع على ليلتين من مكة ، وهو ميقات أهل اليمن .
[ 5 ] المدله : الساهي القلب ، الذاهب العقل .
[ 6 ] زقا الطائر يزقو : صاح .