ونسخت أيضا خبره من كتاب للنضر بن حديد ، فخالف هاتين الرّوايتين ، وقال فيه : كان جعفر بن علبة يزور نساء من عقيل بن كعب ، وكانوا متجاورين هم وبنو الحارث بن كعب ، فأخذته عقيل ، فكشفوا دبر قميصه ، وربطوه إلى جمّته ، وضربوه بالسياط ، وكتّفوه ، ثم أقبلوا به وأدبروا على النّسوة اللاتي كان يتحدّث إليهن على تلك الحال ليغيظوهن ، ويفضحوه عندهنّ ، فقال لهم : يا قوم ، لا تفعلوا فإن هذا الفعل مثلة ، وأنا أحلف لكم بما يثلج صدوركم ألا أزور بيوتكم أبدا ، ولا ألجها . فلم يقبلوا منه . فقال لهم : فإن لم تفعلوا ذلك فحسبكم ما قد مضى ، ومنّوا عليّ بالكفّ عنّى فإني أعدّه نعمة لكم ويدا لا أكفرها أبدا ، أو فاقتلوني وأريحوني ، فأكون رجلا آذى قوما في دارهم فقتلوه . فلم يفعلوا ، وجعلوا يكشفون عورته بين أيدي النساء ، ويضربونه ، ويغرون به سفهاءهم حتى شفوا أنفسهم منه ، ثم خلَّوا سبيله . فلم تمض إلا أيام قليلة حتى عاد جعفر ومعه صاحبان له ، فدفع ، راحلته حتى أولجها البيوت ، ثم مضى . فلما كان في نقرة من الرمل أناخ هو وصاحباه ، وكانت عقيل أقفى خلق اللَّه لأثر ، فتبعوه حتى انتهوا إليه وإلى صاحبيه ، والعقيليّون مغترّون ليس مع أحد منهم عصا ولا سلاح ، فوثب عليهم جعفر بن علبة وصاحباه بالسيوف فقتلوا منهم رجلا وجرحوا آخر وافترقوا ، فاستعدت عليهم عقيل السريّ / ابن عبد اللَّه الهاشميّ عامل المنصور على مكة ، فأحضرهم وحبسهم ، فأقاد من الجارح ، ودافع عن جعفر بن علبة - وكان يحبّ أن يدرأ عنه الحدّ لخؤولة أبي العباس السفاح في بني الحارث ، ولأن أخت جعفر كانت تحت السريّ بن عبد اللَّه ، وكانت حظية عنده - إلى أن أقاموا عليه قسامة : أنه قتل صاحبهم . وتوعدوه بالخروج إلى أبي جعفر والتظلم إليه ، فحينئذ دعا بجعفر فأقاد منه ، وأفلت عليّ بن جعدب من السجن فهرب . قال وهو ابن أخي جعفر بن علبة . فلما أخرج جعفر للقود قال له غلام من قومه : أسقيك شربة من ماء بارد ؟ فقال له : اسكت لا أمّ لك ، إني إذا لمهياف [ 1 ] .
وانقطع شسع نعله [ 2 ] فوقف فأصلحه ، فقال له رجل : أما يشغلك عن هذا ما أنت فيه ؟ فقال :
أشدّ قبال نعلي [ 3 ] أن يراني
عدوّي للحوادث مستكينا
قال : وكان الَّذي ضرب عنق جعفر بن علبة نحبة بن كليب أخو المجنون ، وهو أحد بني عامر بن عقيل ، فقال :
في ذلك :
شفى النفس ما قال ابن علبة جعفر
وقولي له اصبر ليس ينفعك الصبر
هوى رأسه من حيث كان كما هوى
عقاب تدلَّى طالبا جانب الوكر [ 4 ]
أبا عارم ، فينا عرام [ 5 ] وشدّة
وبسطة أيمان سواعدها شعر
هم ضربوا بالسيف هامة جعفر
ولم ينجه برّ عريض ولا بحر
وقدناه قود البكر قسرا وعنوة
إلى القبر حتى ضم أثوابه القبر
/ وقال علبة يرثي ابنه جعفرا :
لعمرك إني يوم أسلمت جعفرا
وأصحابه للموت لما أقاتل
لمتجنب حبّ المنايا وإنما
يهيج المنايا كلّ حق وباطل
هامش
[ 1 ] المهياف : الَّذي لا يصبر على العطش .
[ 2 ] شسع النعل : أحد سيورها ، وهو الَّذي يدخل بين الإصبعين ويدخل طرفه في الثقب الَّذي في صدر النعل المشدود في الزمام .
والزمام : السير الَّذي يعقد فيه الشسع .
[ 3 ] قبال النعل ( بالكسر ) : شسعها .
[ 4 ] كذا في الأصول ولا يستقيم بغيره الشعر ، وفيه إقواء . والَّذي في « كتب اللغة » : أن العقاب مؤنثة . وقيل العقاب يقع على الذكر والأنثى ، إلا أن يقولوا : هذا عقاب . ذكره في « اللسان » مادة عقب .
[ 5 ] العرام ( بالضم ) : الشدّة والقوّة والشراسة .