فما يجوز أن أملك شيئا له فيه رغبة ، وقد أهديتها إلى أمير المؤمنين ، فإنّ من حقّها عليّ إذا تناهيت في قضائه أن أصيّرها ملكه ، فبارك اللَّه له فيها . فقال له الواثق : قد قبلتها . وأمر ابن الزيات أن يدفع إليه خمسة آلاف دينار ، وسماها احتياطا ، فلم يعطه ابن الزيات المال ومطله به ، فوجّه صالح إلى قلم من أعلمها ذلك ، فغنت الواثق وقد اصطبح صوتا ، فقال لها : بارك اللَّه فيك وفيمن ربّاك . فقالت : يا سيدي وما نفع من ربّاني منّي إلا التعب والغرم عليّ والخروج منّي صفرا ؟ قال : أو لم آمر له بخمسة آلاف دينار ؟ قالت : بلى ! ولكنّ ابن الزيّات لم يعطه شيئا . فدعا بخادم من خاصّة الخدم ووقّع إلى آبن الزيات بحمل الخمسة آلاف الدينار إليه ، وخمسة آلاف دينار أخرى معها .
قال صالح : فصرت مع الخادم إليه بالكتاب ، فقربني وقال : أما الخمسة الآلاف الأولى فخذها فقد حضرت ، والخمسة الآلاف الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة . فقمت ، ثم تناساني كأنه لم يعرفني ، وكتبت أقتضيه ، فبعث إليّ : اكتب لي قبضا [ 1 ] بها وخذها بعد جمعة . فكرهت أن أكتب قبضا بها فلا يحصل لي شيء ، فاستترت وهو في منزل صديق / لي ؛ فلما بلغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق ، فبعث إليّ بالمال وأخذ كتابي بالقبض . ثم لقيني الخادم بعد ذلك فقال لي : أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك فأسألك ، هل قبضت المال ؟ قلت : نعم قد قبضته .
قال صالح : وابتعت بالمال ضيعة وتعلَّقت بها وجعلتها معاشي ، وقعدت عن عمل / السلطان فما تعرضت منه لشيء بعدها .
علي بن الجهم يمدح الواثق
أخبرني محمّد بن يحيى قال أخبرني ابن إسحاق الخراسانيّ . قال : وحدّثني محمّد بن مخارق قال :
لما بويع الواثق بالخلافة دخل عليه علي بن الجهم فأنشده قوله :
قد فاز ذو الدّنيا وذو الدّين
بدولة الواثق هارون
وعمّ بالإحسان من فعله
فالناس في خفض وفي لين
ما أكثر الداعي له بالبقا
وأكثر التّالي بآمين
وأنشده أيضا قوله فيه :
وثقت بالملك الوا
ثق باللَّه النّفوس
ملك يشقى به الما
ل ولا يشقى الجليس
أسد تضحك عن شدّ
اته الحرب العبوس
أنس السيف به واس
توحش العلق النفيس [ 2 ]
يا بني العباس يأ
بي اللَّه إلَّا أن تسوسوا
/ قال : فوصله الواثق صلة سنيّة .
هامش
[ 1 ] القبض : الملك .
[ 2 ] العلق : النفيس من كل شيء ، والثوب الكريم .