تشبه بالضراط ولكنّه أتى منها لمّا حرك أصابعه بصوت عجيب متلائم متشاكل بعضه لبعض ، كأنه ، علم اللَّه ، ينطق .
ثم بدا ثالث كزّ [ 1 ] مقيت عليه قميص وسخ ، معه مرآتان ، فجعل يصفّق بيديه إحداهما على الأخرى فخالطتا بصوتهما ما يفعله الرجلان [ 2 ] ، ثم بدا رابع عليه قميص مصون وسراويل مصونة وخفان أجذمان [ 3 ] لا ساق لواحد منهما ، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب ، ثم التبط [ 4 ] به على الأرض ، فقلت : معتوه وربّ الكعبة ! ثم ما برح مكانه حتّى كان أغبط القوم عندي . ورأيت القوم يحذفونه [ 5 ] بالدراهم حذفا منكرا ، ثم أرسل النساء إلينا : أن أمتعونا / من لهوكم هذا . فبعثوا بهم ، وجعلنا نسمع أصواتهنّ من بعد ، وكان معنا في البيت شابّ لا آبه [ 6 ] له ، فعلت الأصوات بالثناء عليه والدعاء ، فخرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها ، فيها خيوط أربعة ، فاستخرج من خلالها عودا فوضعه خلف أذنه ، ثم عرك آذانها وحرّكها بخشبة في يده فنطقت - وربّ الكعبة - وإذا هي أحسن قينة [ 7 ] رأيتها قطَّ ، وغنّى عليها ، فأطربني حتى استخفني من مجلسي ، فوثبت فجلست بين يديه ، وقلت : بأبي أنت وأمي ، فما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريبا . فقال : هذا البربط ؟ [ 8 ] فقلت بأبي أنت وأمّي ، فما هذا الخيط الأسفل ؟ قال : الزير [ 9 ] . قلت : فالذي يليه ؟ قال : المثنى [ 10 ] . قلت : فالثالث ؟ المثلث [ 11 ] . قلت : فالأعلى ؟ قال :
البمّ [ 12 ] . قلت : آمنت باللَّه أوّلا ، وبك ثانيا ، وبالبربط ثالثا ، وبالبم رابعا .
قال : فضحك أبي ، واللَّه ، حتّى سقط ، وجعل ناهض يعجب من ضحكه ، ثم كان بعد ذلك يستعيده هذا / الحديث ، ويطرف به إخوانه فيعيده ويضحكون منه .
وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، قال : حدّثنا عليّ بن محمّد النوفليّ ، عن أبيه ، قال :
كان محمّد بن خالد بن يزيد بن معاوية بحلب ، فأتاه أعرابيّ ، فقال له : حدّث أبا عبد اللَّه - يعني الهيثم بن النّخعي - بما رأيت في حاضر المسلمين . فحدثه بنحو من هذا الحديث ، ولم يسمّ الأعرابيّ باسمه ، وما أجدره بأن يكون لم يعرفه باسمه ونسبه أو لم يعرفه الَّذي حدّث به النوفلي عنه .
الكعبي يستعدي قومه بني كلاب على من عقر إبله
نسخت من كتاب لعلي بن محمّد الكوفي فيه شعر ناهض بن ثومة قال : كان رجل من بني كعب قد تزوّج امرأة من بني كلاب ، فنزل فيهم ثم أنكر منها بعض ما ينكره الرجل من زوجته فطلَّقها ، وأقام بموضعه في بني كلاب ، وكان لا يزالون يستخفّون به ويظلمونه ، وإن رجلا منهم أورد إبله الماء فوردت إبل الكعبيّ عليها ، فزاحمته ، لكنها
هامش
[ 1 ] الكز : الجهم المنقبض . والمقيت : الممقوت .
[ 2 ] في الأصول : « فخالطت بصوته » .
[ 3 ] الأجذمان : من قولهم « أجذم » ، أي مقطوع اليد .
[ 4 ] التبط به ، المعروف « لبط به » أي صرع .
[ 5 ] يحذفونه : يرمونه .
[ 6 ] لا آبه له : لا أفطن أو نسيته ثم فطنت له .
[ 7 ] القينة : المغنية .
[ 8 ] البربط : العود .
[ 9 ] الزير : أدق أوتار العود .
[ 10 ] المثنى : من أوتار العود بعد الأوّل .
[ 11 ] المثلث من أوتار العود .
[ 12 ] البم : الوتر الغليظ من أوتار المزهر .