الهلالي ، فرأيت دورا متباينة وخصاصا [ 1 ] قد ضمّ بعضها إلى بعض ، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون ، عليهم ثياب تحكي ألوان الزهر ، فقلت في نفسي : هذا أحد العيدين : الأضحى أو الفطر . ثم ثاب إليّ ما عزب عن عقلي ، فقلت : خرجت من أهلي في بادية البصرة في صفر ، وقد مضى العيدان قبل ذلك ، فما هذا الَّذي أرى ؟ فبينا أنا واقف متعجّب أتاني رجل فأخذ بيدي ، / فأدخلني دارا قوراء [ 2 ] ، وأدخلني منها بيتا قد نجّد في وجهه فرش ومهّدت ، وعليها شابّ ينال فروع شعره منكبيه ، والناس حوله سماطان [ 3 ] ، فقلت في نفسي : هذا الأمير الَّذي حكي لنا جلوسه على الناس وجلوس الناس بين يديه ، فقلت وأنا ماثل بين يديه : السلام عليك أيها الأمير ورحمة اللَّه وبركاته . فجذب رجل يدي ، وقال : اجلس فإن هذا ليس بأمير . قلت : فما هو ؟ قال : عروس . فقلت : واثكل أمّاه ، لربّ عروس رأيته بالبادية أهون على أهله من هن أمه [ 4 ] . فلم أنشب [ 5 ] أن دخل رجال يحملون هنات [ 6 ] مدوّرات ، أمّا ما خفّ منها فيحمل حملا ، وأما ما كبر وثقل فيدحرج فوضع ذلك أمامنا ، وتحلَّق القوم عليه حلقا ، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا ، فظننتها ثيابا ، وهممت أن أسأل القوم منها خرقا أقطَّعها قميصا ، وذلك أني رأيت نسجا متلاحما / لا يبين له سدى ولا لحمة ، فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا ، وإذا هو - فيما زعموا - صنف من الخبز لا أعرفه ؛ ثم أتينا بطعام كثير بين حلو وحامض ، وحار وبارد ؛ فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التّخم والبشم ؛ ثم أتينا بشراب أحمر في عساس [ 7 ] ، فقلت : لا حاجة لي فيه ، فإني أخاف أن يقتلني . وكان إلى جانبي رجل ناصح لي أحسن اللَّه جزاءه ، فإنه كان ينصح لي من بين أهل المجلس ، فقال : يا أعرابي إنك قد أكثرت من الطعام ، وإن شربت الماء همى [ 8 ] بطنك . فلما ذكر البطن تذكَّرت شيئا أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي ، قالوا : لا تزال حيّا ما كان بطنك شديدا فإذا اختلف فأوص [ 9 ] . فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به ، وجعلت أكثر منه فلا أملّ شربه ، فتداخلني من ذلك / صلف لا أعرفه من نفسي ، وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله ، واقتدار على أمري أظنّ معه أني لو أردت نيل السّقف لبلغته ، ولو ساورت [ 10 ] الأسد لقتلته ، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه وهشم أنفه ، وأهمّ أحيانا أن أقول له : يا ابن الزانية ! فبينا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة ، أحدهم قد علَّق في عنقه جعبة فارسيّة مشنّجة [ 11 ] الطرفين دقيقة الوسط ، مشبوحة بالخيوط شبحا منكرا ؛ ثم بدر الثاني فاستخرج من كمّه هنة سوداء كفيشلة الحمار [ 12 ] ، فوضعها في فيه ، وضرط ضراطا لم أسمع - وبيت اللَّه - أعجب منه ، فاستتمّ بها أمرهم ، ثم حرّك أصابعه على أجحرة فيها فأخرج منها أصواتا ليس كما بدأ
هامش
[ 1 ] الخصاص : البيوت من القصب ، جمع خص .
[ 2 ] القوراء : واسعة .
[ 3 ] السماطان : الصفان .
[ 4 ] الهن : الفرج .
[ 5 ] فلم أنشب ، يقال ما نشبت أفعل كذا أي ما زلت .
[ 6 ] هنات : أشياء ، جمع هنة .
[ 7 ] عساس بكسر العين جمع عس بالضم : هي القداح الكبيرة .
[ 8 ] همى بطنه : أي انطلق .
[ 9 ] اختلف : أصابه إسهال .
[ 10 ] ساورت الأسد : وأثبته . وفي ب ، س : « شأوت » .
[ 11 ] المشنجة : المنقبضة .
[ 12 ] الفيشلة : الحشفة ورأس كل مدور .