متنكَّرا ، فدخل داري ، وتحرّم بطعامي ، واستكساني فكسوته ثوبا من ثيابي ، وأعاذني فأعذته ، وفي دون هذا ما حظر عليّ دمه ، وعبد اللَّه أقلّ وأذلّ من أن يوقع أمرا ، أو ينكث عهدا في قتله خوفا من شره ، فإن شكر النعمة وأقام على الطاعة فلا سبيل عليه ، وإن كفر ما أوتي وشاقّ اللَّه ورسوله وأولياءه فاللَّه قاتله بسيف البغي الَّذي قتل به نظراؤه ومن هو أشدّ بأسا وشكيمة منه ، من الملحدين ، فلا تعرض له ولا لأحد من أهل بيته [ 1 ] إلا بخير ، والسلام .
الوليد وابن هبيرة يأمران عبد اللَّه بمبارزة رجل في بركة ماء
أخبرني محمّد بن يحيى الصولي ، قال : حدّثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني ، قال :
كانت في القريتين [ 2 ] بركة من ماء ، وكان بها رجل من كلب يقال له دعكنة ، / لا يدخل البركة معه أحد إلا غطَّه [ 3 ] حتى يغلبه ، فغطَّ يومها فيها رجلا من قيس بحضرة الوليد بن عبد الملك حتّى خرج هاربا ، فقال ابن هبيرة وهو جالس عليها يومئذ : اللهم اصبب علينا أبا الأقيرع عبد اللَّه بن الحجاج . فكان أوّل رجل انحدرت به راحلته ، فأناخها ونزل ، فقال ابن هبيرة للوليد : هذا أبو الأقيرع واللَّه يا أمير المؤمنين ، أيهما أخزى اللَّه صاحبه به . فأمره الوليد أن ينحطَّ عليه في البركة / والكلبيّ فيها واقف متعرض للناس وقد صدّوا عنه . فقال له : يا أمير المؤمنين إني أخاف أن يقتلني فلا يرضى قومي إلَّا بقتله ، أو أقتله فلا ترضي قومه إلَّا بمثل ذلك ، وأنا رجل بدويّ ولست بصاحب مال . فقال دعكنة : يا أمير المؤمنين هو في حلّ وأنا في حلّ . فقال له الوليد : دونك . فتكأكأ [ 4 ] ساعة كالكاره حتى عزم عليه الوليد ، فدخل البركة ، فاعتنق الكلبيّ وهوى به إلى قعرها ، ولزمه حتّى وجد الموت ، ثم خلَّى عنه ، فلما علا غطَّه غطَّة ثانية ، وقام عليه ثم أطلقه حتى تروّح ، ثم أعاده وأمسكه حتّى مات ، وخرج ابن الحجاج وبقي الكلبيّ ، فغضب الوليد وهمّ به ، فكلَّمه يزيد وقال : أنت أكرهته ، أفكان يمكَّن الكلبيّ من نفسه حتّى يقتله ؟ فكف عنه . فقال عبد اللَّه بن الحجّاج في ذلك :
نجّاني اللَّه فردا لا شريك له
بالقريتين ونفس صلبة العود
وذمّة من يزيد حال جانبها
دوني فأنجيت عفوا غير مجهود [ 5 ]
لولا الإله وصبري في مغاطستي
كان السليم وكنت الهالك المودي
صوت
يا حبّذا عمل الشيطان من عمل
إن كان من عمل الشيطان حبّيها [ 6 ]
لنظرة من سليمى اليوم واحدة
أشهى إليّ من الدّنيا وما فيها [ 7 ]
الشعر لناهض بن ثومة الكلابيّ ، أنشدنيه هاشم بن محمّد الخزاعيّ ، قال : أنشدنا الرياشيّ قال : أنشدنا ناهض بن ثومة أبو العطاف الكلابيّ هذين البيتين لنفسه . وأخبرني بمثل ذلك عمي من الكرانيّ عن الرياشي . والغناء لأبي العبيس ابن حمدون ثقيل أوّل ينشد بالوسطى .
هامش
[ 1 ] فيما عدا ش : « أهله سيئة » .
[ 2 ] القريتان : قرية بحمص .
[ 3 ] غطه : غطسه .
[ 4 ] تكأكأ : نكص وجبن .
[ 5 ] فأنجيت بالجيم في ش ، أما في ح ، س فبالحاء ، وهو تصحيف .
[ 6 ] حبيها : أي حبي إياها .
[ 7 ] لنظرة بالنون ، وروى في ش ، ح بالقاف ، وهو تحريف .