تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبصار العين في أنصار الحسين (ع) (ط. زمزم هدايت) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
أقسمت لا أُقتل إلّا حرّاً * وإن رأيت الموت شيئاً نكراً كلّ امرء يوماً ملاق شرّا * أو يخلط البارد سخنا مرّا رد شعاع النفس فاستقرّا * أخاف أن أكذب أو أغرّا
ثمّ اختلف هو وبكير بن حمران الأحمري بضربتين فضرب بكير فمّ مسلم فقطع شفته العليا ، وأسرع السيف في السفلى ، ونصلت لها ثنيتان ، فضربه مسلم ضربة منكرة في رأسه وثنّى بأُخرى على حبل عاتقه كادت تأتي على جوفه فاستنقذه أصحابه . وعاد مسلم ينشد شعره ، فقال له محمد بن الأشعث : لك الأمان يا فتى ، لا تقتل نفسك ، إنّك لا تكذب ولا تخدع ولا تغر ، إنّ القوم بنو عمّك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، فلمّا رأى مسلم أنّه قد أُثخن بالحجارة وأضرّت به أطنان القصب المحرق وأنّه قد انبهر أسند ظهره إلى جنب تلك الدار فكرّر عليه محمد الأمان ودنا منه ، فقال : آمن أنا ؟ قال : نعم . وصاح القوم : أنت آمن . سوى عمرو بن عبيداللَّه بن العبّاس السلمي فإنّه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل وتنحّى ، فقال مسلم : أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم . ثمّ أُتي ببغلة فحمل عليها وطافوا حوله فانتزعوا سيفه من عنقه ، فكأنّه آيس من نفسه فدمعت عيناه ، وقال : هذا أوّل الغدر ، فقال محمّد : أرجو أن لا يكون عليك بأس ، فقال : ما هو إلّا الرجاء ، أين أمانكم ؟ ! إنّا للَّه‌و إنّا إليه راجعون وبكى ، فقال عمرو السلمي : إنّ من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك ، فقال : إنّي واللَّه ما لنفسي أبكي ولا لها من القتل أرثي ، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليّ ، أبكي لحسين وآل حسين . ثمّ قال لمحمّد بن الأشعث : يا عبداللَّه إنّي أراك ستعجز عن أماني ، فهل عندك خير ؟ أتستطيع أن تبعث من عندك رجلًا على لساني يبلغ حسيناً ، فإنّي لأراه قد خرج إليكم اليوم مقبلًا أو هو خارج غداً وأهل بيته معه ، وإن ما ترى من جزعي لذلك ، فيقول : إنّ مسلماً بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير لا يرى أن يمسي حتّى يقتل وهو يقول : إرجع بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ، إنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني ، وليس لمكذوب رأي ، فقال محمّد : واللَّه لأفعلن ولأعلمن ابن زياد إنّي قد آمنتك .