ولا الذّخر إلَّا كلّ جرداء صلدم
وكلّ رقيق الشّفرتين خفيف [ 1 ]
فلمّا انصرف يزيد بالظَّفر حجب برأي البرامكة ، وأظهر الرشيد السخط عليه . فقال : وحقّ أمير المؤمنين لأصفّينّ وأشتونّ على فرسي أو أدخل . فارتفع الخبر بذلك فأذن له فدخل . فلمّا رآه أمير المؤمنين ضحك وسرّ وأقبل يصيح : مرحبا بالأعرابيّ ! حتى دخل وأجلس وأكرم وعرف بلاؤه ونقاء صدره .
من قصيدة مسلم بن الوليد في يزيد بن مزيد
ومدّحه الشعراء بذلك . فكان أحسنهم مدحا مسلم بن الوليد ؛ فقال فيه قصيدته التي أولها :
أجررت حبل خليع في الصّبا غزل
وشمّرت همم العذّال في عذلي [ 2 ]
/ هاج البكاء على العين الطَّموح هوى
مفرّق بين توديع ومحتمل [ 3 ]
كيف السّلوّ لقلب بات مختبلا
يهذي بصاحب قلب غير مختبل [ 4 ]
وفيها يقول :
يفترّ عند افترار الحرب مبتسما
إذا تغيّر وجه الفارس البطل [ 5 ]
موف على مهج في يوم ذي رهج [ 6 ]
كأنّه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرّفق ما يعيا الرّجال به
كالموت مستعجلا يأتي على مهل
لا يرحل النّاس إلَّا نحو حجرته [ 7 ]
كالبيت يفضي إليه ملتقى السّبل
يقري المنيّة أرواح العداة كما
يقري الضّيوف شحوم الكوم والبزل [ 8 ]
هامش
[ 1 ] الصلدم من الخيل : الشديدة الحافر . ورقيق الشفرتين : السيف .
[ 2 ] كذا في ف . وفي « ديوان مسلم بن الوليد » : « في العذل » . وفي سائر الأصول : « عن عذلي » تحريف . تقول العرب : أجررت فلانا رسنه إذا مهلت له في إرادته . وأصله أن تمهل للدابة في الرعي جارة رسنها . فيقول : أجررت حبل خليع في الصبا ، أي حبل من خلع عذاره في الصبا . وغزل : ذي غزل ومجانة . وقوله « وشمرت . . . » أي حين رأوني قد صبوت . والخليع أيضا : من يخلعه قومه لشرّه . فإن ذهب أحد إلى هذا فمعناه رجل قد تبرأ منه قومه . ( عن « شرح ديوان مسلم » ببعض تصرف ) .
[ 3 ] في ف : « ومرتحل » . والطموح : المرتفعة في النظر إلى الأحبة وهم سائرون . فيقول : هاج البكاء على العين هوى مفرق بين توديع ومحتمل ، أي مقسم ، بعضه في توديع الأحبة وبعضه في احتمالهم . ( عن « شرح ديوان مسلم » ) .
[ 4 ] في ف و « ديوان مسلم » : « راح مختبلا » . ومختبل : مخبول العقل فاسده . والهذيان : الكلام الذي يفضي بصاحبه إلى ما لا يفهم عنه .
وإنما يكون ذلك عن علة تفضي بصاحبها إلى الهذيان فيتكلم بما يأتيه دون أن يعرف ما يقول .
[ 5 ] افتر فلان ضاحكا : أبدى أسنانه عند الضحك . وافترار الحرب : تكشيرها عن أنيابها ، وهذا كناية عن شدتها . يقول : يبتسم من قلة مبالاته بالحرب إذا تغير وجه الفارس البطل من هول الحرب وشدتها .
[ 6 ] في « ديوان مسلم » : « واليوم ذو رهج » . والرهج الغبار . يقول : يوفي على المهج بالقتل في يوم قد ثار نقعه من شدة القتال ؛ فهو يعمل عمل الأجل في الأمل .
[ 7 ] كذا في ف والديوان . وفي سائر الأصول : « . . . حول حجرته » يقول : لا يرحل الناس لطلب عطاء إلا نحو بيته ، كالبيت ( يعني بيت اللَّه الحرام مكة ) يفضي إليه ملتقى السبل ، أي عنده ملتقى الطرق كلها .
[ 8 ] ف : « الكماة » بدل « العداة » . والكوم من النوق : العظام الأسمنة ، واحدتها كوماء . والبزل : جمع : بزول وهو ما بلغ من الإبل تسع سنين .