أن يأذن لك ؛ فقال : لا واللَّه لا ألزمها غيرك أنجحت أو أكدت [ 1 ] ، فلما بلغ ذلك الحجاج قال : ما له عندي شيء ، فأبلغه ذلك ؛ قال : وما عليك أن تكون أنت الذي توئسه فإنه قد أبى ، فأذن / له فلمّا رآه قال : أعهدتني خائنا لا أبا لك ! قال : أنت سيد هوازن ، وقد بدأنا بك ، وأنت أمير العراقين [ 2 ] ، وابن عظيم القريتين [ 3 ] ، وعمالتك في كل سنة خمسمائة ألف درهم ، وما بك بعدها حاجة إلى خيانة [ 4 ] ؛ فقال : أشهد أن اللَّه تعالى وفّقك ، وأنّك نظرت بنور اللَّه ، فإذا صدقت فلك نصفها العام ، فأعطاه وادّوا البقية .
تنسك وخرج إلى الحج في زي عجيب
قال : ثم تأله [ 5 ] الجحاف / بعد ذلك ، واستأذن في الحج ، فأذن له ، فخرج في المشيخة الذين شهدوا معه ، قد لبسوا الصوف وأحرموا ، وأبروا أنوفهم أي خزموها وجعلوا فيها البرى [ 6 ] ، ومشوا إلى مكة فلما قدموا المدينة ومكة جعل الناس يخرجون فينظرون إليهم ، ويعجبون منهم . قال : وسمع ابن عمر الجحاف وقد تعلق بأستار الكعبة وهو يقول : اللَّهم اغفر لي وما أراك تفعل ! فقال له ابن عمر : يا هذا ، لو كنت الجحاف ما زدت على هذا القول ؛ قال :
فأنا الجحاف ، فسكت . وسمعه محمد بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وهو يقول ذلك ؛ فقال : يا عبد اللَّه ، قنوطك من عفو اللَّه أعظم من ذنبك ! قال عمر بن شّبة في خبره : كان مولد الجحّاف بالبصرة .
دخل على عبد الملك بعد أن أمنه فأنشده شعرا
قال عبد اللَّه بن إسحاق النحويّ : كان الجحاف معي في الكتّاب ، قال أبو زيد في خبره أيضا : ولما أمّنه عبد الملك دخل عليه في جبّة صوف ، فلبث قائما ، فقال له عبد الملك : أنشدني بعض ما قلت في غزوتك هذه وفجرتك ، فأنشده قوله :
صبرت سليم للطعان وعامر
وإذا جزعنا لم نجد من يصبر
فقال له عبد الملك بن مروان : كذبت ، ما أكثر من يصبر ! ثم أنشده :
نحن الذين إذا علوا لم يفخروا
يوم اللقا وإذا علوا لم يضجروا
فقال عبد الملك : صدقت ، حدّثني أبي عن أبي سفيان بن حرب أنكم كنتم كما وصفت يوم فتح مكة .
عود إلى قصة يوم البشر
حدّثت عن الدمشقيّ عن الزبير بن بكار ، وأخبرني ، وكيع عن عبد اللَّه بن شبيب عن الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز بن مروان :
هامش
[ 1 ] أكدى : أصله من أكدى الحافر : إذا حفر فبلغ الكدية وهي الصخرة فانقطع عن الحفر .
[ 2 ] العرافان : الكوفة والبصرة .
[ 3 ] القريتان : مكة والطائف .
[ 4 ] كذا في ف ، وفي معظم الأصول « وما بك بعدها إلى خيانة فقر » .
[ 5 ] تأله : تعبد وتنسك .
[ 6 ] البرى : جمع بردّ ، وهي الحلقة في أنف البعير .