كنت عند إبراهيم بن المهديّ ، وقد اصطبحنا [ 1 ] وعنده عمرو بن بانة ، وعبيد اللَّه بن أبي غسان ، ومحمد بن عمرو الرومي ، وعمرو الغزّال ، ونحن في أطيب ما كنا عليه إذ غنّى عمرو الغزّال ، وكان إبراهيم بن المهدي يستثقله ، إلا أنه كان يتخفّف بين يديه ويقصده ، ويبلغه عنه تقديم له وعصبيّة ، فكان يحتمل ذاك منه ، فاندفع عمرو الغزال ، فتغنّى في شعر محمد بن أمية :
ما تمّ لي يوم سرور بمن
أهواه مذ كنت إلى اللَّيل
/ أغبط ما كنت بما نلته
منه أتتني الرسل بالويل
لا والَّذي يعلم كلّ الذي
أقول ذي العزّة والطَّول
ما رمت مذ كنت لكم سخطة
بالغيب في فعل ولا قول
قال : فتطيّر إبراهيم ، ووضع القدح من يده ، وقال : أعوذ باللَّه من شر ما قلت . فو اللَّه ما سكت - وأخذنا نتلافى إبراهيم - إذ أتى حاجبه يعدو فقال : مالك [ 2 ] ؟ فقال : خرج الساعة مسرور من دار أمير المؤمنين حتى دخل إلى جعفر بن يحيى ، فلم يلبث أن خرج ورأسه بين يديه وقبض على أبيه وإخوته [ 3 ] . فقال إبراهيم : * ( إِنَّا لِلَّه ِ وإِنَّا إِلَيْه ِ راجِعُونَ ) * ارفع يا غلام ارفع . فرفع ما كان بين أيدينا ، وتفرقنا فما رأيت عمرا بعدها في داره .
كان يستطيب الشراب عند هبوب الجنوب
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب قال حدّثني محمد بن يحيى بن بسخنّر قال :
كنت عند إبراهيم بن المهدي بالرّقّة وقد عزمنا على الشراب ومعنا محمد بن أميّة في يوم من حزيران ، فلما هممنا بذلك هبّت الجنوب ، وتلطَّخت السماء بغيم ، وتكدّر ذلك اليوم ، فترك إبراهيم بن المهدي الشّرب ولحقه صداع ، وكان يناله ذلك مع هبوب الجنوب ، فافترقنا ؛ فقال لي محمّد بن أمية : ما أحبّ إليّ ما كرهتموه من الجنوب ! فإن أنشدتك بيتين مليحين في معناهما تساعدني على الشرب اليوم ؟ قلت : نعم . فأنشدني :
إنّ الجنوب إذا هبّت وجدت لها
طيبا يذكَّرني الفردوس إن نفحا
لمّا أتت بنسيم منك أعرفه
شوقا تنفّست واستقبلتها فرحا
فانصرفت معه إلى منزله ، وغنّيت في هذين البيتين وشربنا عليهما بقية يومنا .
ما قاله في تفاحة أهدتها إليه خداع
وجدت في بعض الكتب بغير إسناد : أهدت جارية يقال لها خداع إلى محمد بن أميّة - وكان يهواها - تفاحة مفلَّجة [ 4 ] منقوشة مطيّبة حسنة ، فكتب إليها محمد :
خداع أهديت لنا خدعة
تفّاحة طيّبة النّشر
هامش
[ 1 ] اصطبحنا : شربنا الصبوح .
[ 2 ] في ف : « ما الخبر » .
[ 3 ] في ف : « وإخوته وأهله » .
[ 4 ] مفلجة : مقسمة .