وضح [ 1 ] ، فقيل لعمرو بن هند : إنّ به وضحا ، فأمر أن يجعل بينه وبينه ستر . فلمّا تكلَّم أعجب بمنطقه ، فلم يزل عمرو يقول : أدنوه أدنوه حتى أمر بطرح السّتر وأقعده معه قريبا منه لإعجابه به . هذه رواية أبي عمرو . وذكر الأصمعيّ نحوا من ذلك وقال : أخذ منهم ثمانين غلاما من كل حيّ وأصلح بينهم بذي المجاز [ 2 ] ، وذكر أنّ الغلمان من بني تغلب كانوا معه في حرب فأصيبوا . وقال في خبره : إنّ الحارث بن حلَّزة لمّا ارتجل هذه القصيدة بين يدي عمرو قام عمرو بن كلثوم فارتجل قصيدته :
قفي قبل التفرّق يا ظعينا
وغير الأصمعيّ ينكر ذلك وينكر أنه السبب في قول عمرو بن كلثوم .
/ وذكر ابن الكلبيّ عن أبيه أنّ الصلح كان بين بكر وتغلب عند المنذر بن ماء السماء ، وكان قد شرط : أيّ رجل وجد قتيلا في دار قوم فهم ضامنون لدمه ، وإن وجد بين محلَّتين قيس ما بينهما فينظر أقربهما إليه فتضمن ذلك القتيل . وكان الذي ولي ذلك واحتمى لبني تغلب قيس بن شراحيل بن مرة بن همّام . ثم إنّ المنذر أخذ من الحيّين أشرافهم وأعلامهم فبعث بهم إلى مكة ، فشرط بعضهم على بعض وتواثقوا على ألَّا يبقي واحد منهم لصاحبه غائلة ولا يطلبه بشيء مما كان من الآخر من الدّماء . وبعث المنذر معهم رجلا من بني تميم يقال له الغلَّاق . وفي ذلك يقول الحارث بن حلَّزة :
فهلَّا سعيت لصلح الصّديق
كصلح ابن مارية الأقصم [ 3 ]
/ وقيس تدارك بكر العراق
وتغلب من شرّها الأعظم
وبيت شراحيل في وائل
مكان الثّريا من الأنجم
فأصلح ما أفسدوا بينهم
كذلك فعل الفتى الأكرم
- ابن مارية هو قيس بن شراحيل . ومارية أمّه بنت الصبّاح بن شيبان من بني هند - فلبثوا كذلك ما شاء اللَّه ، وقد أخذ المنذر من الفريقين رهنا بأحداثهم ، فمتى التوى أحد منهم بحقّ صاحبه أقاد من الرّهن . فسرّح النّعمان بن المنذر ركبا من بني تغلب إلى جبل طيّىء في أمر من أمره ، فنزلوا بالطرفة [ 4 ] وهي لبنى شيبان وتيم اللات . فذكروا أنهم أجلوهم عن الماء وحملوهم على المفازة ، فمات القوم عطشا . فلما بلغ ذلك بني تغلب غضبوا وأتوا عمرو بن هند فاستعدوه على بكر ، وقالوا : غدرتم ونقضتم العهد وانتهكتم الحرمة وسفكتم الدّماء وقالت بكر : أنتم الذين فعلتم ذلك ، / قذفتمونا بالعضيهة [ 5 ] وسمّعتم الناس بها ، وهتكتم الحجاب والسّتر بادّعائكم الباطل علينا قد سقيناهم إذ وردوا ، وحملناهم على الطريق إذ خرجوا ، فهل علينا إذ حار القوم وضلَّوا ! . ويصدّق ذلك قول الحارث بن حلَّزة :
لم يغرّوكم غرورا ولكن
يرفع [ 6 ] الآل جرمهم والضّحاء
هامش
[ 1 ] الوضح هنا : البرص .
[ 2 ] ذو المجاز : « موضع سوق من أسواق العرب بعرفة .
[ 3 ] الأقصم : المكسور الثنية من النصف .
[ 4 ] لم نجد هذا الاسم في « كتب البلدان » .
[ 5 ] العضيهة : الإفك والبهتان والقالة القبيحة .
[ 6 ] في « الأصول » : « يدفع » بالدال ، والتصويب من « المعلقات » . والآل : السراب ، وهو ما يرى كالماء نهارا بين السماء والأرض يرفع الشخوص . وقيل : الآل ما كان في الضحى والعشي ، والسراب ما كان نصف النهار . والضحاء : ارتفاع النهار . يقول : ما أتوكم على -