وانضَمَّ بَعضُهُم إلى بَعضٍ ، فالتَفَتوا فلَم يَرَوا خَلفَهُم أحَدا ، ثُمّ قالَ :
يا أيُّها النّاسُ ، ادْنُوا ووَسِّعوا لِمَن خَلفَكُم ، فقالَ رجُلٌ : يا رسولَ اللّهِ ، لِمَن نُوَسِّعُ ؟ قالَ : للمَلائكَةِ ، فقالَ : إنّهُم إذا كانوا مَعَكُم لَم يَكونوا مِن بَينِ أيديكُم ولا مِن خَلفِكُم ولكنْ يَكونونَ عَن أيمانِكُم وعَن شَمائلِكُم ، فقالَ رجُلٌ : يا رسولَ اللّهِ ، لِمَ لا يَكونونَ مِن بَينِ أيدينا ولا مِن خَلفِنا ، أمِن فَضلِنا علَيهِم أم فَضلِهِم علَينا ؟ قالَ : أنتُم أفضَلُ مِن المَلائكَةِ ، اجلِسْ فجَلسَ الرّجُلُ فخَطَبَ رسولُ اللّهِ فقالَ :
الحَمدُ للّهِ نَحمَدُهُ ونَستَعينُهُ ، ونُؤمِنُ بهِ ونَتَوكَّلُ علَيهِ ، ونَشهَدُ أن لا إلهَ إلّا اللّهُ وَحدَهُ لاشَريكَ لَهُ ، وأنّ محمّدا عَبدُهُ ورَسولُهُ ، ونَعوذُ باللّهِ مِن شُرورِ أنفُسِنا ومِن سَيّئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهدِ اللّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، ومَن يُضلِلْ فلا هادِيَ لَهُ . أيُّها النّاسُ إنّهُ كائنٌ في هذهِ الامّةِ ثَلاثونَ كَذّابا ، أوّلُ مَن يَكونُ مِنهُم صاحِبُ صَنعاءَ وصاحِبُ اليَمامَةِ . « 1 » يا أيُّها النّاسُ إنّهُ مَن لَقِيَ اللّهَ عَزَّوجلَّ يَشهَدُ أن لا إلهَ إلّا اللّهُ مُخلِصا لَم يَخلِطْ مَعَها غَيرَها دَخَلَ الجَنّةَ .
فقامَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام فقالَ : يا رسولَ اللّهِ ، بأبي أنتَ وامّي ، كَيفَ يَقولُها مُخلِصا لا يَخلِطُ مَعَها غَيرَها ؟ فَسِّرْ لَنا هذا حتّى نَعرِفَهُ ، فقالَ : نَعَم ، حِرصا علَى الدُّنيا وجَمعا لَها مِن غَيرِ حِلِّها ، ورِضىً بِها ، وأقوامٌ يَقولونَ أقاوِيلَ الأخيارِ ويَعمَلونَ عَملَ الجَبابِرَةِ ( والفُجّارِ ) ، فمَن لَقِيَ اللّهَ عَزَّوجلَّ ولَيسَ فيهِ شيءٌ مِن هذهِ الخِصالِ وهُو يَقولُ : لا إلهَ إلّا اللّهُ فلَهُ الجَنّةُ ، فإنْ أخَذَ الدُّنيا وتَرَكَ الآخِرَةَ فلَهُ النّارُ . « 2 »
هامش
( 1 ) المراد بصاحب صنعاء الأسود بن كعب العنسيّ الذي يدّعي النبوّة ، وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذّاب الذي قتله وحشيّ مولى جُبير بن مطعم قاتل حمزة ( كما في هامش المصدر ) .
( 2 ) ثواب الأعمال : ص 330 ح 1 ، بحارالأنوار : ج 76 ص 359 ح 30 .