فإذا تعاورت الأكفّ ختامها
نفحت فشمّ رياحها المزكوم
فقال : يا شعبيّ ، ناك الأخطل أمّهات الشعراء بهذا البيت . قلت : الأعشى أشعر منك يا أبا مالك . قال :
وكيف ؟ قلت : لأنه قال :
من خمر عانة قد أتى لختامها
حول تسلّ غمامة [ 1 ] المزكوم
فضرب بالكأس الأرض وقال : هو والمسيح أشعر منّي ! ناك واللَّه الأعشى أمهات الشعراء إلَّا أنا .
مدح سلامة ذا فائش فأجازه :
حدّثني وكيع قال حدّثني محمد بن إسحاق المعوليّ عن إسحاق الموصليّ عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الرواية عن سماك بن حرب قال :
قال الأعشى :
أتيت سلامة [ 2 ] ذا فائش فأطلت المقام ببابه حتى وصلت إليه ، فأنشدته :
/
إنّ محلَّا وإن مرتحلا
وإنّ في السّفر من مضى مهلا [ 3 ]
استأثر اللَّه بالوفاء وبال
عدل وولَّى الملامة الرجلا
الشعر قلَّدته سلامة ذا
فائش والشيء حيث ما جعلا
فقال : صدقت ، الشيء حيث ما جعل ، وأمر لي بمائة من الإبل وكساني حللا وأعطاني كرشا مدبوغة مملوءة عنبرا وقال : إياك أن تخدع عما فيها . فأتيت الحيرة فبعتها بثلاثمائة ناقة حمراء .
أراد أن يفد على النبي ليسلم فردته قريش بجائزة فعثر به بعيره فمات :
أخبرني حبيب بن نصر المهلَّبيّ وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال قال هشام بن القاسم الغنويّ وكان علَّامة بأمر الأعشى :
إنه وفد إلى النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم وقد مدحه بقصيدته التي أولها :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
وعادك ما عاد السّليم المسهّدا [ 4 ]
وما ذاك من عشق النساء وإنما
تناسيت قبل اليوم خلَّة مهددا [ 5 ]
وفيها يقول لناقته :
هامش
[ 1 ] الغمام : كزكام وزنا ومعنى .
[ 2 ] هو سلامة بن يزيد بن مرة اليحصبي أحد ملوك اليمن ، وقد مدحه الأعشى . وقال هشام بن محمد الكلبيّ : الأعشى مدح سلامة الأصغر وهو سلامة بن يزيد بن سلامة ذي فائش . ( راجع « القاموس » و « شرحه » مادة فيش ) .
[ 3 ] رواية تلخيص المفتاح التي كتب عليها شارحوه : « وإن في السفراذ مضوا مهلا » . والمحل والمرتحل مصدران ميميان ، والخبر محذوف . أي إن لنا في الدنيا حلولا وإن لنا عنها ارتحالا . والسفر : اسم جمع بمعنى مسافر . والمهل ( بفتح الميم والهاء ) : مصدر بمعنى الإمهال وطول الغيبة .
[ 4 ] في « السيرة لابن هشام » : ( ج 1 ص 55 طبع أوروبا ) « وبت كما بات السليم مسهدا » .
[ 5 ] مهدد : معشوقة الأعشى .