هدده ابن الزبير وغيره جلاء قومه تميم عن البيت فقال في ذلك شعرا :
أخبرني أحمد قال حدّثني عمرو بن شبّة قال قال عثمان بن سليمان :
شهدت الفرزدق يوم نازع النّوار فتوجّه القضاء عليه ، فأشفق من ذلك وتعرّض لابن الزّبير بكلام أغضبه ، وكان ابن الزّبير حديدا . فقال له ابن الزّبير : أيا ألأم الناس ! وهل أنت وقومك إلا جالية العرب ! وأمر به / فأقيم . وأقبل علينا فقال : إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة فاستلبوه ؛ وأجمعت العرب عليها لما انتهكت ما لم ينتهكه أحد قطَّ فأجلتها من أرض تهامة . فلما كان في طائفة من ذلك اليوم لقيني الفرزدق فقال :
هيه ! أيعيّرنا ابن الزّبير جلاءنا [ 1 ] عن البيت ! اسمع ! ثم قال :
فإن تغضب قريش ثم تغضب
فإنّ الأرض ترعاها [ 2 ] تميم
هم عدد النجوم وكلّ حيّ
سواهم لا تعدّ لهم نجوم
فلو لا بنت [ 3 ] مرّ من نزار
لما صحّ المنابت والأديم
بها كثر العديد وطاب منكم
وغيركم أحذّ [ 4 ] الرّيش هيم
فمهلا عن تذلَّل من عززتم
بخولته وعزّ به الحميم
أعبد اللَّه مهلا عن أذاتي
فإنّي لا الضعيف ولا السّؤوم
ولكنّي صفاة لم تؤبّس [ 5 ]
تزلّ الطير عنها والعصوم [ 6 ]
/ أنا ابن العاقر الخور [ 7 ] الصّفايا
بصوءر [ 8 ] حيث فتّحت العكوم [ 9 ]
وذكر الزّبير بن بكَّار عن عمه أن عبد اللَّه بن الزّبير لمّا حكم على الفرزدق قال : إنما حكمت عليّ بهذا لأفارقها فتثب عليها ؛ وأمر به فأقيم ، وقال له ما قال في بني تميم . قال : ثم خرج عبد اللَّه بن الزّبير إلى المسجد فرأى الفرزدق في بعض طرق مكة وقد بلغته أبياته التي قالها ، فقبض ابن الزّبير على عنقه فكاد يدقّها ، ثم قال :
هامش
[ 1 ] في الأصول : « أيعيرنا ابن الزبير بجلائنا » وهي لغة رديئة .
[ 2 ] كذا صححها الأستاذ الشنقيطي في نسخته . وفي ج : « ترغبها » وهو تصحيف عن « ترعيها » . وفي سائر الأصول : « ترضاها » وهو تحريف .
[ 3 ] كذا صححها الأستاذ الشنقيطي . وفي الأصول : « نبت » وهو تصحيف .
[ 4 ] أحذ الريش : قصيره . والهيم : العطاش . ولعله يكنى بذلك عن الضعف والذلة .
[ 5 ] كذا في ج ونسخة الشنقيطي . وتؤبس : تكسر . وفي سائر الأصول : « تؤنس » بالنون ، وهو تصحيف .
[ 6 ] لعله جمع عصم ( بالضم ) الذي هو جمع عصماء . والعصم الظباء .
[ 7 ] كذا صححها الأستاذ الشنقيطي . والخور : جمع خوّارة ، وهي الغزيرة اللبن من النوق والشاء ، على غير قياس . وفي ج : « الجول » .
والجول : الجماعة من الإبل . وفي سائر الأصول : « الحور » بالحاء المهملة وهو تصحيف .
[ 8 ] صوءر : ماء لكلب فوق الكوفة مما يلي الشام ، وهو الماء الذي تعاقر عليه غالب بن صعصعة أبو الفرزدق وسحيم بن وئيل الرياحي ، وكان قد عقر غالب ناقة وفرقها على بيوت الحي ، وجاء إلى سحيم منها بجفنة ، فغضب سحيم وردها فقام وعقر ناقة ؛ فعقر غالب أخرى وتعاقرا حتى أقصر سحيم .
[ 9 ] العكوم : جمع عكم ، وهو العدل ( بكسر العين ) أو الكارة وهي وعاء الثياب والطعام . لعله يريد أنه ينهب ما تحمله هذه النوق ثم يذبحها .