أخبر بوفاة أم يونس بن بغا ففتر المجلس ثم عاد أحسن ما كان :
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال :
شرب المعتزّ ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنّون بين يديه وقد أعدّ الخلع والجوائز ، إذ دخل بغا فقال : يا أمير المؤمنين ، / والدة عبدك يونس في الموت وهي تحبّ أن تراه ؛ فأذن له فخرج . وفتر المعتزّ ونعس بعده ، وقام الجلساء وتفرّق المغنّون ، إلى أن صلَّيت المغرب ، وعاد المعتزّ إلى مجلسه ، ودخل يونس وبين يديه الشموع . فلما رآه المعتزّ دعا برطل فشربه وسقى يونس رطلا وغنّاه المغنّون ، وعاد المجلس أحسن ما كان ؛ فقال المعتزّ :
صوت
تغيب فلا أفرح
فليتك ما تبرح
وإن جئت عذّبتني
بأنّك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذي
ن لي كبد تجرح
على ذاك يا سيّدي
دنوّك لي أصلح
ثم قال : غنّوا فيه ، فجعلوا يفكَّرون . فقال المعتزّ لسليمان بن القصّار الطَّنبوريّ : ويلك ! ألحان الطَّنبور أملح وأخفّ فغنّ فيه أنت ؛ فغنّى فيه لحنا ؛ فدفع إليه دنانير / الخريطة وهي مائة دينار مكيّة ومائتان مكتوب على كلّ دينار منها « ضرب هذا الدينار بالجوسق بخريطة [ 1 ] أمير المؤمنين المعتزّ باللَّه » ثم دعا بالخلع والجوائز لسائر الناس ، فكان ذلك المجلس من أحسن المجالس .
لحن سليمان بن القصّار في هذه الأبيات رمل مطلق .
لما قتل بغا هنأه الناس بالظفر :
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن عبد السميع الهاشميّ قال حدّثني أبي قال :
لمّا قتل بغا [ 2 ] دخلنا فهنأنا المعتزّ بالظَّفر ، فاصطبح ومعه يونس بن بغا ، وما رأينا قطَّ وجهين اجتمعا أحسن من وجهيهما . فما مضت ثلاث ساعات حتى سكر ، ثم خرج علينا المعتزّ فقال :
ما إن ترى منظرا إن شئته حسنا
إلَّا صريعا يهادى [ 3 ] بين سكرين
سكر الشراب وسكر من هوى رشأ
تخاله والذي يهواه غصنين
هامش
[ 1 ] لعله : « لخريطة أمير المؤمنين » أي ضربت لخزانته الخاصة .
[ 2 ] هو أحد قوّاد الأتراك المبرزين وقد اشترك في قتل المتوكل بدسيسة من ابنه المنتصر ، وكان يتولى الحرس ليلة قتل فسهل للقتلة الدخول للقصر . خدم عدّة خلفاء في الدولة العباسية . وجفاه المعتز فوكل به وليدا المغربي فقتله غيلة وحمل رأسه إليه ، فوهبه عشرة آلاف دينار وخلع عليه خلعة ، ونصب رأسه بسامرا ثم ببغداد . ( راجع الطبري القسم الثالث ص 1458 - 1461 ، 1694 - 1497 ) .
[ 3 ] جاء فلان يهادي بين اثنين مهاداة ( بالبناء للمفعول ) : جاء يتمايل .