يَستُرونَهُ عَنِ النّاسِ ، ألَيسَ كانَتِ الرِّسالَةُ تَضيعُ وَالامورُ تَتَباطَأُ ؟ أوَ ماتَرَى المُلوكَ إذَا احتَجَبوا كَيفَ يَجرِي الفَسادُ وَالقَبائِحُ مِن حَيثُ لايَعلَمونَ بِهِ ولا يَشعُرونَ ؟ ! يا عَبدَاللّهِ ، إنَّما بَعَثَنِي اللّهُ ولا مالَ لي لِيُعَرِّفَكُم قُدرَتَهُ وقُوَّتَهُ ، وإنَّهُ هُوَ النّاصِرُ لِرَسولِهِ ، لا تَقدِرونَ عَلى قَتلِهِ ولا مَنعِهِ مِن رسالته ، فَهذا أبيَنُ في قُدرَتِهِ وفي عَجزِكُم ، وسَوفَ يُظفِرُنِيَ اللّهُ بِكُم فَاوسِعكُم قَتلًا وأسرا ، ثُمَّ يُظفِرُنِيَ اللّهُ بِبِلادِكُم ويَستَولي عَلَيهَا المُؤمِنونَ مِن دونِكُم ودونِ مَن يُوافِقُكُم عَلى دينِكُم .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله : وأمّا قَولُكَ لي : " لَو كُنتَ نَبِيّا لَكانَ مَعَكَ مَلَكٌ يُصَدِّقُكَ ونُشاهِدُهُ ، بَل لَو أرادَ اللّهُ أن يَبعَثَ إلَينا نَبِيّا لَكانَ إنَّما يَبعَثُ مَلَكا لا بَشَرا مِثلَنا " . فَالمَلَكُ لاتُشاهِدُهُ حَواسُّكُم ، لِأَ نَّهُ مِن جِنسِ هذَا الهَواءِ لا عِيانَ مِنهُ ، ولَو شاهَدتُموهُ بِأَن يُزادَ في قُوى أبصارِكُم لَقُلتُم : لَيسَ هذا مَلَكا بَل هذا بَشَرٌ ، لِأَ نَّهُ إنَّما كانَ يَظهَرُ لَكُم بِصورَةِ البَشَرِ الَّذي [ قَد ] ألِفتُموهُ لِتَفهَموا عَنهُ مَقالَتَهُ وتَعرِفوا خِطابَهُ ومُرادَهُ ، فَكَيفَ كُنتُم تَعلَمونَ صِدقَ المَلَكِ وأنَّ ما يَقولُهُ حَقٌّ ؟ بَل إنَّما بَعَثَ اللّهُ بَشرَا ، وأظهَرَ عَلى يَدِهِ المُعجِزاتِ الَّتي لَيسَت في طَبائِعِ البَشَرِ الَّذينَ قَد عَلِمتُم ضَمائِرَ قُلوبِهِم فَتَعلَمونَ بِعَجزِكُم عَمّا جاءَ بِهِ أنَّهُ مُعجِزَةٌ ، وأنَّ ذلِكَ شَهادَةٌ مِنَ اللّهِ تَعالى بِالصِّدقِ لَهُ ، ولَو ظَهَرَ لَكُم مَلَكٌ وظَهَرَ عَلى يَدِهِ ما يَعجُزُ عَنهُ البَشَرُ لَم يَكُن في ذلِكَ ما يَدُلُّكُم عَلى أنَّ ذلِكَ لَيسَ في طَبائِعِ سائِرِ أجناسِهِ مِنَ المَلائِكَةِ حَتّى يَصيرَ ذلِكَ مُعجِزا .
ألا تَرَونَ أنَّ الطُّيورَ الَّتي تَطيرُ لَيسَ ذلِكَ مِنها بِمُعجِزٍ ، لِأَنَّ لَها أجناسا يَقَعُ مِنها مِثلُ طَيَرانِها ، ولَو أنَّ آدَمِيّا طارَ كَطَيَرانِها كانَ ذلِكَ مُعجِزا ، فَإِنَّ اللّهَ عز وجل سَهَّلَ عَلَيكُمُ الأَمرَ ، وجَعَلَهُ بِحَيثُ تَقومُ عَلَيكُم حُجَّتُهُ ، وأنتُم تَقتَرِحونَ عَمَلَ الصَّعبِ الَّذي لا حُجَّةَ فيهِ .
حكمت نامهء پيامبر اعظم ص (عربى) — صفحة 186
مساهمون: محمد الريشهري
ص١٨٦