ثُمَّ لَيسَ لِلفُقَراءِ أن يَقولوا : لِمَ أفقَرتَنا وأغنَيتَهُم ؟ ولا لِلوُضَعاءِ أن يَقولوا : لِمَ وَضَعتَنا وشَرَّفتَهُم ؟ ولا لِلزَّمنى وَالضُّعَفاءِ أن يَقولوا : لِمَ أزمَنتَنا وأضعَفتَنا وصَحَّحتَهُم ؟ ولا لِلأَذِلّاءِ أن يَقولوا : لِمَ أذلَلتنا وأعزَزتَهُم ؟ ولا لِقِباحِ الصُّوَرِ أن يَقولوا : لِمَ قَبَّحتَنا وجَمَّلتَهُم ؟ بَل إن قالوا ذلِكَ كانوا عَلى رَبِّهِم رادّينَ ، ولَهُ في أحكامِهِ مُنازِعينَ ، وبِهِ كافِرينَ ، ولَكانَ جَوابُهُ لَهُم : [ إنّي ] أنَا المَلِكُ الخافِضُ الرّافِعُ ، المُغنِي المُفقِرُ ، المُعِزُّ المُذِلُّ ، المُصَحِّحُ المُسقِمُ ، وأنتُمُ العَبيدُ لَيسَ لَكُم إلَا التَّسليمُ لي والانقيادُ لِحُكمي ، فَإِن سَلَّمتُم كُنتُم عِبادا مُؤمِنينَ ، وإن أبَيتُم كُنتُم بي كافِرينَ ، وبِعُقوباتي مِنَ الهالِكينَ .
ثُمَّ أنزَلَ اللّهُ عَلَيهِ : يامُحَمَّدُ
" قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ "
يَعني آكُلُ الطَّعامَ
" يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ "
« 1 » يَعني قُل لَهُم : أنَا فِي البَشَرِيَّةِ مِثلُكُم ، ولكِن رَبّي خَصَّني بِالنُّبُوَّةِ دونَكُم ، كَما يَخُصُّ بَعضَ البَشَرِ بِالغِنى وَالصِّحَّةِ وَالجَمالِ دونَ بَعضٍ مِنَ البَشَرِ ، فَلا تُنكِروا أن يَخُصَّني أيضا بِالنُّبُوَّةِ [ دونَكُم ] .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله : وأمّا قَولُكَ : " [ إنَّ ] هذا مَلِكَ الرّومِ ومَلِكَ الفُرسِ لا يَبعَثانِ رَسولًا إلّا كَثيرَ المالِ ، عَظيمَ الحالِ ، لَهُ قُصورٌ ودورٌ وفَساطيطُ وخِيامٌ وعَبيدٌ وخُدّامٌ ، ورَبُّ العالَمينَ فَوقَ هؤُلاءِ كُلِّهِم فَهُم عَبيدُهُ " . فَإِنَّ اللّهَ لَهُ التَّدبيرُ وَالحُكمُ ، لا يَفعَلُ عَلى ظَنِّكَ وحِسبانِكَ ، ولا بِاقتِراحِكَ ، بَل يَفعَلُ مايَشاءُ ، ويَحكُمُ ما يُريدُ ، وهُوَ مَحمودٌ .
يا عَبدَاللّهِ ، إنّما بَعَثَ اللّهُ نَبِيَّهُ لِيُعَلِّمَ النّاسَ دينَهُم ، ويَدعُوَهُم إلى رَبِّهِم ، ويَكُدُّ نَفسَهُ في ذلِكَ آناءَ اللَّيلِ وَالنَّهارِ ، فَلَو كانَ صاحِبَ قُصورٍ يَحتَجِبُ فيها وعَبيدٍ وخَدَمٍ
هامش
( 1 ) الكهف : 110 .