أخواته وبنات عمّه وغيرهن من حرمه ، ثم قال لهنّ : قد بلغني أنّ يزيد دخل عليكنّ وقد نهيتكنّ عنه ، وإن للَّه عليّ نذرا واجبا - واخترط سيفه - إن لم أضرب أعناقكنّ به . فلما ملأهنّ رعبا ضرب عنق غلام له مولَّد يقال له عصام فقتله ، ثم أنشأ يقول :
جعلت عصاما عبرة حين رابني
أناسيّ من أهلي مراض قلوبها
ثم إنّ فديكا رأى يزيد قائما عند باب أهله ، فظنّ أنه يواعد بعض نسائه ، فارتصده على طريقه [ 1 ] وأمر بزبية [ 2 ] فحفرت على الطريق ثم أوقد فيها نارا ليّنة ثم اختبأ في مكان ومعه عبدان له وقال لهما : تبصّرا هل تريان أحدا ؛ فلم يلبثا إلَّا قليلا حتى خرجت بنت أخي فديك ، وكان يقال لها وحشيّة ، تتهادى في برودها لميعاد يزيد ؛ فأيقظه / العبدان ؛ ومضت حتى وقعت على الزّبية فاحترق بعضها ، وأمر بها فأخرجت ، واحتملها العبدان فانطلقا بها إلى داره . فقال فديك :
شفى النفس من وحشيّة اليوم أنّها
تهادى وقد كانت سريعا عنيقها [ 3 ]
فإلَّا تدع خبط الموارد في الدّجى
تكن قمنا [ 4 ] من غشية لا تفيقها
دواء طبيب كان يعلم أنّه
يداوي المجانين المخلَّى طريقها
فبلغ ذلك يزيد فقال :
ستبرأ من بعد الضّمانة [ 5 ] رجلها
وتأتي الذي تهوى مخلَّى طريقها
عليّ هدايا البدن إن لم ألاقها
وإن لم يكن إلا فديك يسوقها
يحصّنها منّي فديك سفاهة
وقد ذهبت فيها الكباس [ 6 ] وحوقها
تذيقونها شيئا من النّار كلَّما
رأت من بني كعب غلاما يروقها
قال : وإنما كانت وضعت رجلها فأحرقتها النار .
وقال يزيد أيضا :
يا سخنة العين [ 7 ] للجرميّ إذ جمعت
بيني وبين نوار وحشة الدار
خبّرتهم عذّبوا بالنار جارتهم
ومن يعذّب غير اللَّه بالنار
فبلغ ذلك فديكا فقال :
هامش
[ 1 ] في الأصول : « على طريقته » .
[ 2 ] الزبية : الحفرة يصاد بها الأسد والذئب .
[ 3 ] العتيق : السير المنبسط .
[ 4 ] هو قمن بكذا وقمن منه ( بفتح الميم ) وقمن ( بكسر الميم ) وقمين أي حريّ وخليق وجدير . فمن فتح الميم لم يثن ولا جمع ولا أنث لأنه مصدر ، ومن كسرها أو زاد الياء فقال قمين ثني وجمع وأنث لأنه وصف .
[ 5 ] الضمانة : الزمانة والعاهة . أراد احتراق رجلها .
[ 6 ] الكباس : الكمرة الضخمة . والحوق : ما استدار من حروفها .
[ 7 ] سخنت عينه سخنا وسخونة وسخنة . نقيض قرّت .