شرح نهج البردة
يقول أمير الشعراء في مطلع قصيدته :
ريم على القاع بين البان والعلم * أحل سفك دمي في الأشهر الحرم « 1 »
رمى القضاء بعيني جؤذر أسدا * يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم « 2 »
يبدأ شوقي قصيدته نهج البردة كما بدأ قبله كل من كعب بن زهير والإمام البوصيري بالغزل ، واعتاده الشعراء القدامى ، مقتفيا نهجهم باتخاذ الغزل مطلعا للقصيدة فتخيل محبوبته الظبي الجميل الذي يقف في أرض بين أشجار ألبان والجبل ، وهذا الظبي استحوذ على مشاعره أكثر من منظر الغابة الخضراء الجميلة ومنظر الجبل ، وهو هنا قد شغله جمال الظبي ولم يبهره منظر الغابة الخضراء والأغصان الملتفة والروابي أو الجبال ، وأن هذا الجمال الذي بهره كما لو كان قد سفك دمه على الرغم من تحريم سفك الدماء خلال الأشهر الحرم .
ولعل جمال الغزال يبرز في عينيه اللتين يتعلق بهما من يراهما ولو كان أسدا في قسوته ووحشيته وجبروته ، وهذا الأسد يسكن الأجم ويطلب النجدة والرحمة من هذا الظبي الرقيق الذي لا يثبت أمام جماله شيء .
ثم يقول :
لما رنا حدثتني النفس قائلة * يا ويج جنبك بالسهم المصيب رمى « 3 »
جحدتها وكتمت السهم في كبدي * جرح الأحبة عندي غير ذي ألم « 4 »
هامش
( 1 ) الرئم : الظبي الخالص البياض ، القاع ، الأرض السهلة المطمئنة ، البان : ضرب من الشجر ، العلم : الجبل ، الأشهر الحرم : ( أربعة ) ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وواحد مفرد وهو رجب ، وكانت العرب لا تستحل فيها القتال .
( 2 ) الجؤذر : ولد البقرة الوحشية ، الأجم : جمه أجمه وهي الشجر الكثيف الملتف وهو مسكن الأسد .
( 3 ) رنا : ادام النظر مع سكون الطرف ، يا ويح : الشدة والمكروه .
( 4 ) جحدتها : الجحود هو الانكار مع العلم .