أنّ المأمون قال لمن حضره من جلسائه : أنشدوني بيتا لملك يدلّ البيت وإن لم يعرف قائله أنه شعر ملك ؛ فأنشده بعضهم قول امرئ القيس :
أمن أجل أعرابيّة حلّ أهلها
جنوب الملا [ 1 ] عيناك تبتدران
قال : وما في هذا مما يدلّ على ملكه ! قد يجوز أن يقول هذا سوقة من أهل الحضر ، فكأنه يؤنّب نفسه على التعلَّق بأعرابيّة ؛ ثم قال : الشعر الذي يدلّ على أن قائله ملك قول الوليد :
اسقني من سلاف ريق سليمى
واسق هذا النديم كأسا عقارا
أما ترى إلى إشارته في قوله هذا النديم وأنها إشارة ملك . ومثل قوله :
لي المحض من ودّهم
ويغمرهم نائلي
وهذا قول من يقدر بالملك على طويّات الرجال ، يبذل [ 2 ] المعروف لهم ويمكنه استخلاصها لنفسه .
وفي هذا البيت مع أبيات قبله غناء وهو قوله :
صوت
سقيت أبا كامل
من الأصفر البابلي
وسقّيتها معبدا
وكلّ فتى بازل [ 3 ]
/ لي المحض من ودّهم
ويغمرهم نائلي
فما لا مني فيهم
سوى حاسد جاهل
غنّاه أبو كامل ثقيلا أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر .
ومنها وهو من ملح [ 4 ] شعره :
صوت
أراني اللَّه يا سلمى حياتي
وفي يوم الحساب كما أراك
ألا تجزين من تيّمت عصرا
ومن لو تطلبين لقد قضاك
ومن لو متّ مات ولا تموتي
ولو أنسي [ 5 ] له أجل بكاك
ومن حقّا لو أعطي ما تمنّى
من الدنيا العريضة ما عداك
هامش
[ 1 ] الملا : موضع .
[ 2 ] في ب ، س ، م : « ليبذل » .
[ 3 ] البازل : الكامل في عقله وتجربته . قال في « اللسان » : « وقد قالوا : رجل بازل على التشبيه بالبعير . وربما قالوا ذلك يعنون به كما له في عقله وتجربته » . والبازل من الإبل : الذي استكمل الثامنة وطعن في التاسعة وفطر نابه . وليس بعد البازل اسم .
[ 4 ] كذا في أكثر الأصول . وفي س : « أملح » . وفي ح : « جيد » .
[ 5 ] أنسأ اللَّه أجله : أخره .