الغريب الذي تشير إليه الزهراء عليها السلام أن هذه الديانات (السماوية) كانت قد تفرقت وتشعبت وتعددت بحيث أصبح كل فرقة تكفر الأخرى مع أن منبعها واحد، فمن يراجع تاريخ هذه الديانات يجد التفاصل بين أبناء الديانة الواحدة كبيرا فضلا عما بين الديانات المتعددة.
ففي المسيحية مثلا وهي لم تكن تبعد عن بعثة النبي إلا بستة قرون، اختلفوا في النظر إلى عيسى بن مريم هل هو إله؟ أو هو بشر نبي؟ أو هو جزء من الإله؟ وما موقع مريم العذراء بالنسبة إلى الإله المفترض؟ وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض هذه الفرق في آياته وحكم عليها بالانحراف عما جاء به عيسى بن مريم عليهما السلام[65].
أما الجهة الشرقية - جهة فارس – فالمجوس بعدما كانوا أصحاب رسالة سماوية حصل الانحراف عندهم عنها[66] صاروا يعبدون النار ويرون أنها سر الحياة وفيها القوة الاصلية، وبالتالي لابد أن تكون متقدة ومشتعلة باستمرار، وهذه النار المتقدة لمئات السنين انطفأت بقدرة الله عندما ولد النبي محمد صلى الله عليه وآله.
وفي الجزيرة العربية، اتجه العرب إلى عبادة الأوثان والأصنام، وهم في ذلك منكرون لله ظاهراً مع اعتقادهم في داخل أنفسهم بالله (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)[67]، فحينما تشتد بهم الخطوب يلجؤون إلى الله تعالى ولكنهم مع ذلك يجحدون.
. تشير الزهراء عليها السلام إلى هذه الخريطة الدينية بقولها (فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها، عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفانِها).
بزوغ فجر رسول الله صلى الله عليه وآله في عالم الواقع:
(فَأَنارَ اللهُ تعالى بأبي مُحَمَّدٍ ظُلَمَها، وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها، وَجَلّى عَنِ الأَبْصارِ غُمَمَها، وَقَامَ في النّاسِ بِالهِدايَةِ، وأنقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ، وهَداهُمْ إلى الدّينِ القَويمِ، وَدَعاهُمْ إلى الطَّريقِ المُستَقيمِ).
تعالوا نعقد مقارنة بين الصورة التي تقدمها الزهراء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وبين الصورة التي تقدمها بعض كتب المسلمين الحديثية!
1/ قد سبق أن الزهراء ذكرت أن النبي هو محل اصطفاء ورعاية خاصة واجتباء واصطفاء وتسمية خاصة من الله عز وجل، حيث لم يكن هناك كون ولا كائنات بل كانت الخلائق في عالم الغيب مستورة مكنونة وبنهاية العدم مقرونة.
وهذه الرعاية والعناية لا بد أن تكون من البدايات، فإذا كان الله يتحدث عن النبي موسى وهو دون نبينا فضلا ومنزلة، ذاكرا بعض مننه عليه ونعمه (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)[68] فكيف سيكون حال نبينا الذي اختاره وانتجبه واصطفاه قبل أن يخلق الخلق وبينما كان آدم بين الماء والطين؟ كيف ستكون رعايته له وعنايته بنبيه؟ وحينئذ هل نصدق ما سيقوله بعض أتباع المدارس الأخرى من ان أبويه كانا مشركين! أو أنه والعياذ بالله كان على دين قومه قبل بعثته! وأنه كان يُهدى له الخمر وأنه كان يأكل ما ذبح على النُّصُب!
أين هذه الصورة من صورة النبي الحقيقية التي يفصل القول فيها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله
)ولقد قرن الله به من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره) [69]، للأسف فإن الصورة التي تقدمها بعض كتب المسلمين المعتمدة، عن
هامش
65 ) لمعرفة بعض الفرق وآرائها وتطور المسيحية وحياة المسيح يمكنكم مراجعة كتابنا: من قصة الديانات والرسل.
66 ) كذلك لمعرفة تاريخ الزرادشتية المجوسية وعقائدهم والموقف الإسلامي منها يراجع كتاب قصة الديانات والرسل.
67 ) سورة لقمان: آية 25
68 ) طه:41
69 ) نهج البلاغة ؛ تحقيق صبحي الصالح ص 300